الإثنين، 17 أغسطس 2026 03:07 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: القسم الثالث المنسي

بوابة المصريين

حين يُستدعى النص لحماية طرف، ويُنسى ما يطلبه من الطرف الآخر

في النصوص المقدسة، ليست المشكلة دائمًا فيما تقوله الكلمات، بل فيما نختار أن نسمعه منها.

فقد يكون النص مكوّنًا من جمل متعددة، لكن التاريخ قد يسلّط الضوء على جملة، ويضع أخرى في الظل. وقد يتحول جزء من النص إلى شعار، بينما يُنسى الجزء الذي يفرض على صاحب الشعار مسؤولية أخلاقية.

وهذه هي قصة القسم الثالث من "القسمات الثلاث".

فحين يُستدعى هذا المقطع التلمودي في الجدل حول الصهيونية والمنفى والدولة اليهودية، ينصبّ معظم الاهتمام على القسمين الأول والثاني: ألا يصعد اليهود إلى أرض إسرائيل بالقوة، وألا يتمردوا على الأمم.

أما القسم الثالث، الذي يتصل بمنع الأمم من إيذاء إسرائيل أو اضطهادها بصورة مفرطة، فيظهر غالبًا في الخلفية، وكأنه تفصيل ثانوي.

لكن هذا الجزء الذي يبدو هامشيًا يفتح بابًا أخلاقيًا بالغ الأهمية.

فإذا كانت "القسمات الثلاث" تمثل عقدًا متبادلة، فلا يمكن قراءة التزامات طرف وإهمال التزامات الطرف الآخر.

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر تعقيدًا.

ثلاث قسمات... لا قسمان

وردت المناقشة التلمودية في كتوبوت 111أ في سياق تفسير الآيات المتكررة في نشيد الأنشاد. وهناك تُعرض "القسمات" الثلاث المرتبطة بالمنفى والخلاص.

والصياغة التلمودية لا تقدم لنا برنامجًا سياسيًا بالمعنى الحديث، ولا تتحدث عن دولة قومية، أو حدود، أو جيش، أو نظام دولي.

إنها جزء من بناء لاهوتي يفسر لماذا طال المنفى، ولماذا ينبغي ألا يُستعجل الخلاص.

لكن القراءة اللاحقة للنص جعلت هذه القسمات تدخل عالم السياسة.

وفي هذا الانتقال حدث شيء بالغ الأهمية:

تحولت القضية من سؤال:

كيف ينبغي لليهود أن يعيشوا في المنفى؟

إلى سؤال:

ما الذي يحق لليهود أن يفعلوه، وما الذي يحق للأمم أن تفعل بهم؟

والفرق بين السؤالين هو الذي أعاد القسم الثالث إلى الواجهة.

لماذا كان القسم الثالث مختلفًا؟

القسمان الأول والثاني يوجهان خطابًا مباشرًا إلى الجماعة اليهودية.

لا تصعدوا بالقوة.

لا تتمردوا على الأمم.

وهذا النوع من الخطاب كان قابلًا للتحول بسهولة إلى قواعد للسلوك السياسي والديني في المنفى.

أما القسم الثالث، فيوجّه الخطاب إلى الطرف الآخر:

الأمم أيضًا ليست بلا التزام.

وهنا تكمن أهميته.

فالتقليد الذي يطلب من اليهود أن يصبروا على المنفى لا يمنح، في هذه القراءة، الأممَ رخصة مفتوحة لاضطهادهم.

إن الصبر ليس تفويضًا للظلم.

والمنفى ليس إذنًا بالاعتداء.

والدعوة إلى عدم التمرد لا تعني أن الطرف الآخر يملك حقًا مطلقًا في القهر.

وهذه نقطة جوهرية، لأن قراءة القسمات الثلاث باعتبارها مجموعة من القيود المفروضة على اليهود فقط تشوّه البنية الأخلاقية للنص.

إنها، في جوهرها، علاقة بين طرفين، حتى وإن كان كل طرف يحمل التزامًا مختلفًا.

لماذا أصبح القسم الثالث أقل حضورًا؟

الإجابة ليست بسيطة.

فأولًا، لأن السياق الذي نشأت فيه "القسمات الثلاث" كان سياق تفسير المنفى، ولذلك كانت الأسئلة المتعلقة بسلوك اليهود أنفسهم هي الأكثر إلحاحًا.

كيف يبقى الشعب؟

كيف يحافظ على دينه؟

كيف يتجنب ثورات قد تؤدي إلى كارثة؟

كيف ينتظر الخلاص دون أن يتحول الانتظار إلى يأس؟

كانت هذه أسئلة حياة أو موت بالنسبة إلى جماعات يهودية عاشت قرونًا تحت سلطات مختلفة.

وثانيًا، لأن التاريخ نفسه كان قاسيًا.

فالجماعات اليهودية تعرضت في فترات مختلفة للاضطهاد والطرد والمذابح والتمييز، وصولًا إلى الكارثة الكبرى في أوروبا خلال القرن العشرين.

وبذلك أصبح القسم الثالث، في الوعي اليهودي الحديث، مرتبطًا بتجربة تاريخية شديدة الحساسية:

الخوف من أن يتحول الاضطهاد إلى إبادة.

ومن الطبيعي أن يكتسب أي نص ديني يحذر الأمم من اضطهاد اليهود أهمية خاصة في ذاكرة جماعة عاشت تاريخًا طويلًا من عدم الأمان.

لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل النص من المجال الأخلاقي إلى المجال السياسي.

من حماية الإنسان إلى شرعنة السياسة

هنا يجب أن نفرّق بين أمرين.

الأول:

أن يكون لليهود، كغيرهم من البشر، حق أصيل في ألا يتعرضوا للاضطهاد والقتل والتمييز.

وهذا مبدأ أخلاقي لا يحتاج إلى نص ديني كي يكتسب شرعيته.

والثاني:

أن يُستخدم هذا الحق لتبرير مشروع سياسي أو أفعال سياسية معاصرة، بوصفها امتدادًا مباشرًا لذلك النص القديم.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.

فالخوف من الاضطهاد لا يمنح، في ذاته، شيكًا على بياض لأي دولة أو حكومة.

كما أن معاناة شعب في الماضي لا تلغي حقوق الشعوب الأخرى في الحاضر.

وهذا هو الحد الفاصل الذي ينبغي ألا تضيع عنده القراءة النقدية.

عندما دخلت فلسطين إلى النص

مع ظهور الصهيونية ثم قيام دولة إسرائيل، تغيرت طبيعة السؤال.

لم يعد اليهود جماعة مشتتة تعيش تحت سلطات الآخرين فقط.

نشأت دولة يهودية تمتلك مؤسسات سياسية وجيشًا وسيادة، وأصبحت طرفًا في نزاع قومي على أرض يسكنها شعب آخر.

وهنا أصبح استدعاء القسم الثالث أكثر حساسية.

فإذا قيل:

يجب ألا يُضطهد اليهود.

فهذا مبدأ لا خلاف أخلاقيًا عليه.

لكن إذا انتقلنا من هذه الجملة إلى:

لذلك فإن كل ممارسة تقوم بها الدولة باسم حماية اليهود تصبح مشروعة.

فنحن لم نعد نقرأ النص؛ بل نستخدمه لتقديم حصانة أخلاقية لموقف سياسي.

وهذا فرق جوهري.

فالنص، حتى لو أخذناه بأقصى درجات الإيمان بسلطته، لا يقول إن حماية جماعة من الاضطهاد تمنحها حق اضطهاد جماعة أخرى.

ولا يقول إن ذاكرة المظلوم تلغي حقوق الآخرين.

ولا يحول التاريخ إلى رخصة دائمة للقوة.

أخطر ما في الانتقائية

الانتقائية في قراءة النصوص ليست مجرد خطأ منهجي.

إنها قد تصبح أداة سياسية.

فإذا أخذنا من "القسمات الثلاث" ما يخدم خطابًا معينًا، وأهملنا ما يفرض مسؤولية على أصحاب ذلك الخطاب، يتحول النص من مرآة أخلاقية إلى سلاح.

ويمكن أن يحدث ذلك في الاتجاهات كلها.

فقد يستخدم شخص القسمات الثلاث لإدانة الصهيونية، ثم يتجاهل أن النص نفسه يتضمن تحذيرًا من اضطهاد اليهود.

وقد يستخدمها شخص آخر لتبرير حماية إسرائيل، ثم يتجاهل أن النص يتحدث أصلًا في سياق أخلاقي ولا يمنحه شرعية مطلقة لأي مشروع سياسي معاصر.

وفي الحالتين تصبح المشكلة واحدة:

النص لم يعد هو الذي يحاكم الموقف؛ بل الموقف هو الذي يختار من النص ما يحاكم به خصمه.

وهذه إحدى أخطر مشكلات توظيف النصوص المقدسة في السياسة.

هل القسم الثالث يمنح إسرائيل شرعية؟

هنا ينبغي أن نكون دقيقين.

لا يمكن منطقيًا تحويل القسم الثالث إلى وثيقة تأسيس لدولة حديثة.

فالتلمود لم يكتب دستورًا لدولة إسرائيل المعاصرة، ولم يحدد حدودها، ولم يضع نظامها السياسي، ولم يتحدث عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بصورته الحالية.

والقول إن نصًا تلموديًا قديمًا يمنح شرعية سياسية مباشرة لدولة حديثة هو انتقال من التفسير الديني إلى الاستدلال السياسي، ويحتاج إلى مقدمات إضافية لا يوفرها النص وحده.

لكن يمكن للنص أن يُستخدم بوصفه مصدرًا لمبدأ أخلاقي:

لا يجوز للأمم أن تجعل اليهود ضحية للاضطهاد.

وهذا مبدأ مختلف تمامًا عن القول:

يجوز لدولة إسرائيل أن تفعل ما تشاء باسم هذا الخوف التاريخي.

الفاصل بين الجملتين هو الفاصل بين الأخلاق والدعاية.

والمفارقة الفلسطينية

هنا تصل السلسلة إلى واحدة من أكثر نقاطها حساسية.

فالفلسطيني، حين ينظر إلى التاريخ، يرى شعبًا آخر يستخدم ذاكرة اضطهاده لتفسير شرعية مشروع سياسي أقيم على أرض كانت مأهولة بشعب آخر.

وفي المقابل، يرى اليهود في تاريخهم ذاكرة طويلة من الطرد والاضطهاد والمذابح، culminated في الهولوكوست، وما تركته من شعور عميق بالحاجة إلى الأمان والسيادة.

كل طرف يحمل ذاكرة حقيقية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى ملكية حصرية للألم.

فلا يجوز أن يكون تاريخ اليهود ذريعة لإنكار ألم الفلسطينيين.

كما لا ينبغي أن تتحول مأساة الفلسطينيين إلى إنكار لتاريخ الاضطهاد الذي تعرض له اليهود.

التاريخ ليس مسابقة لاختيار شعب واحد ليكون ضحية والآخر جلادًا إلى الأبد.

إنه مساحة تتجاور فيها المآسي، وتتصادم فيها الروايات، وتصبح مهمة السياسة أن تمنع تحول الذاكرة إلى وقود دائم للحرب.

القسم الثالث بوصفه اختبارًا أخلاقيًا

ربما تكون القيمة الحقيقية للقسم الثالث اليوم ليست في أن يمنح شرعية لطرف، وإنما في أنه يضع الجميع أمام مرآة أخلاقية.

إذا كان اضطهاد اليهود خطأً، فالاضطهاد خطأ أيًا كان ضحيته.

وإذا كان من الواجب حماية اليهود من الكراهية والعنف، فإن حماية الفلسطيني من القتل والاقتلاع والإهانة ليست أقل أهمية.

وإذا كانت ذاكرة المحرقة تستحق الاحترام، فإن ذاكرة النكبة تستحق أن تُسمع أيضًا.

ليس المطلوب أن نساوي بين الأحداث التاريخية أو أن نلغي خصوصية كل مأساة.

المطلوب فقط ألا نستخدم مأساة شعب لإلغاء إنسانية شعب آخر.

وهنا يتحول القسم الثالث من نص ديني قديم إلى سؤال أخلاقي معاصر:

هل تستطيع أن تطلب من العالم ألا يضطهدك، دون أن تمنح نفسك الحق في اضطهاد غيرك؟

إنه سؤال يتجاوز اليهودية والصهيونية وفلسطين.

إنه سؤال عن الإنسان نفسه.

حين يصبح النص مرآة لا سلاحًا

ربما يكون هذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن أن نستخلصه من "القسمات الثلاث".

فإذا قرأناها كوحدة واحدة، نجد شيئًا مختلفًا عن استخدامها السياسي الانتقائي.

الأولى تقول: لا تستعجل الخلاص بالقوة.

والثانية تقول: لا تجعل صراعك مع الآخرين طريقًا إلى الهلاك.

والثالثة تقول: لا تجعل الآخرين من ضعفك ذريعة لاضطهادك.

قد تختلف القراءات الحاخامية لهذه النصوص، وقد يختلف العلماء حول مدى إلزاميتها وطبيعة مكانتها التلمودية، لكن القيمة الفكرية التي تكشفها لنا واضحة:

لا توجد مسؤولية من طرف واحد.

وهذا بالضبط ما يضيع عندما يتحول النص إلى شعار سياسي.

فالشعار يريد إجابة سريعة.

أما النص المقدس، حين يُقرأ بعمق، فيفرض أسئلة أكثر مما يمنح أجوبة.

ولذلك ربما كان علينا أن نعيد القسم الثالث إلى مكانه الطبيعي، لا بوصفه سلاحًا ضد إسرائيل، ولا بوصفه صكًا يمنح إسرائيل حصانة، بل بوصفه جزءًا من بنية أخلاقية كاملة.

إنه يقول، بصورة أو بأخرى:

لا تجعل من خوف الآخر ذريعة لظلمه، ولا تجعل من تاريخك رخصة لحرمان غيرك من إنسانيته.

وهنا يصبح النص حاضرًا كما ينبغي أن يكون:

لا في يد السياسي كسلاح،

بل في ضمير الإنسان كمسؤولية.

لكن ظهور الدولة القومية الحديثة أعاد ترتيب كل هذه الأسئلة.

فإذا كانت "القسمات الثلاث" قد نشأت في عالم الإمبراطوريات والمنفى، فماذا يحدث عندما يصبح اليهود أصحاب دولة وجيش وسيادة؟

هل انتهى عصر القسمات؟

أم أن الدولة الحديثة أعادت إنتاجها في صورة جديدة؟

وهل يمكن لنص ديني صاغه الحاخامات لتفسير المنفى أن يصبح معيارًا للحكم على سلوك دولة في القرن الحادي والعشرين؟

من هنا نصل إلى المقال السابع:

من النص إلى الدولة

كيف انتقلت الشرعية من انتظار الماشيح إلى شرعية الدولة الحديثة؟

ففي المقال القادم سنغادر سؤال: هل يجوز لليهود أن يعودوا؟

إلى سؤال أكثر تعقيدًا:

ماذا يحدث عندما يعودون بالفعل، ويصبحون دولة؟

مقالات الرأي

آخر الأخبار