رحلت غاليتي.. ولم أتعلم كيف أحيا بدون أمي


ستون يومًا من المرض والعناء عشتها مع أمي لحظة بلحظة، كنت أعرف في أعماقي إلى أين تمضي بنا الأيام، ومع ذلك كنت أخلط ألمي بأملٍ لا أريد أن أصدقه كاذبًا.
منذ البداية، كانت عيناها تحدثانني عن النهاية. كانت ترسل إليّ، دون قصد، نظرات وداع طويلة، وكنت أراها وأفهمها، لكنني لم أملك شجاعة تكذيب قلبي، ولا القدرة على الاستسلام لما تخبرني به عيناها.
وفي الساعات الأخيرة، تغير كل شيء... تغيرت ملامح الألم، ولم تعد ترى أو تسمع إلا ما يدور داخلها. واعتصرني الوجع مرات ومرات، وأنا عالق بين أوهامي التي تتشبث بالأمل، ويقيني الذي يعرف الحقيقة.
كنت أصرخ في داخلي: أين الطبيب؟ أين الأمل؟
كنت أخشى هذه اللحظة طوال عمري، لكنني لم أعرف يومًا كيف يمكن للإنسان أن يستقبل لحظة موت أمه، ولا كيف يمكن أن يتقبل أن الصوت الذي اعتاد أن يناديه لن يناديه بعد اليوم.
كلما تذكرت أن أمي بشر، وأن كل نفس ذائقة الموت، كان يتملكني رعب لا يرحم.
كيف أواجه موت أمي؟
كيف أحتمل اللحظة التي تصبح فيها أمي ذكرى؟
ثم حضرت اللحظة... بكل قسوتها، ودون رحمة أو تمهيد.
جاءت اللحظة التي كنت أهرب منها طوال حياتي، لأكتشف أنني تعلمت الكثير في هذه الدنيا، إلا شيئًا واحدًا... لم أتعلم كيف تكون الحياة بدون أمي.
ولكن هيهات...
وصل قطار الرحيل إلينا، وكان قلبي يصرخ:
هل هذه هي النهاية يا أمي؟
مرت اللحظات مسرعة، وأنا بين الوعي واللاوعي، أغرق في دوائر الخوف والألم، وأجاهد نفسي لأستعيد ولو للحظة ذلك الأمل الذي كنت أتشبث به، فلا أجد في حلقي إلا مرارة الفقد.
جاء الطبيب مسرعًا، فالتقطت بعض أنفاسي، وداعبني أمل مخادع للحظات، ثم سرعان ما هزمته دقات قلبي المتسارعة.
وفجأة... صعدت روحك إلى رب السماوات.
نظرت إليك عاجزًا، لا أفهم ما يحدث.
ما هذا؟
هل رحلتِ يا أمي وتركتِني؟
إلى أين يا غاليتي؟
والله، لقد صعد قلبي خلف روحك، يبحث عنك بين الماضي وما تبقى من العمر.
ارتجفت يدي وأنا أراك تغمضين عينيك، وكانت اللهفة عليك تقتلني.
العالم من حولي يتحدث، وأنا لا أسمع شيئًا...
الكل يتحرك، وأنا ثابت في مكاني...
الضجيج يملأ المكان، والصمت يملأ كياني.
جلست إلى جوارك، أحدق في وجهك، وأسأل نفسي:
إلى من تتركينني يا حبيبة الروح؟
حاولت أن أتظاهر بالقوة، لكنها كانت قوة كاذبة، وكانت دموعي تفضحني في كل لحظة.
كنت أقول لنفسي:
إلى رب العرش يا أمي...
إلى رحمته وملائكته ودار السلام.
وعزائي أن الله أرحم بك مني، وأن رحمته أوسع من كل ألم.
كان ما حدث أشبه بزلزال هدم أركان قلبي.
مهلًا يا ملائكة الرحمن...
لقد قبضتم روحها، وأخذتم معها الأمان والحنان، وأخذتم من كانت تحتويني.
مهلًا... فقد أخذتم غاليتي، فاتركوا لي صبرًا يكفيني.
مهلًا بروحها الغالية... فما زالت أمام عيني كل ذكرياتي معها، وكل سنيني التي عشتها إلى جوارها.
أمهلوني قليلًا...
أريد أن أحتضن جسدها،
أريد أن أقبّل قدميها،
أريد أن ألمس بقايا دفء روحها،
أريد أن أصدق أنها ما زالت أمامي.
ويلي من فراقك يا أمي...
فمن يكتب شهادة وفاتك، لا يكتب ورقة فقط، بل يكتب معها فصلًا من الحزن فوق جبيني، ويعلن أن جزءًا من قلبي قد رحل إلى الأبد.
نعم... رحلت غاليتي.
رحلت إلى الحياة الأبدية، وتركت لي عزاءً واحدًا: جمال ابتسامتها، وراحتها من الأوجاع والأسقام.
وكل ما أرجوه من الله أن أراها في منامي، ولو للحظات، حتى يهدأ هذا القلب الذي أنهكه الاشتياق.
مضى العزاء، وانتهت الأيام الأولى للفقد، وانطفأت الأضواء، وعاد الصمت ليجمعني مع ضجيج الذكريات.
ورحلت من كان الله يكرمني من أجلها.
رحلت أمي، وبقيت أنا أمام نفسي...
فافعلي لنفسك يا من فقدت أمك، واجتهدي فيما يرضي الله، لعل الله يجمعك بها في دار لا فراق فيها.
لم يبقَ لي منها إلا صورة تراودني، وصوت يسكن ذاكرتي، وذكريات لا تموت، ودعاء لا ينقطع.
أمي... يا رب أمي.
فراقها ينحر قلبي ويبكيني، لكنني لا أملك لها إلا الدعاء.
اللهم احشر أمي في زمرة الصديقين والصالحين والشهداء،
اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة،
اللهم آنس وحشتها، ونوّر قبرها، واغفر لها وارحمها،
اللهم اجزها عني وعن كل ما قدمته لي خير الجزاء،
اللهم اجمعني بها في الفردوس الأعلى،
يوم نترك جميعًا دار الفناء إلى دار البقاء.
رحلت غاليتي...
لكن أمي لن ترحل من قلبي أبدًا.
في رثاء أمي
دعاء فايد






















