الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 10:40 مـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

رحلت غاليتي

بوابة المصريين

قصة مرضٍ وعناءٍ طيلة ستين يومًا، مرت بأمي، عشتها لحظةً بلحظة.

رغم أنني كنت أعلم جيدًا نهايتها، فإنني كنت أمزج الألم بالأمل، وأصدّق الأمل الكاذب؛ فقد حدّثتني عيناها منذ البداية عن النهاية، وما اعتدتُ تكذيب عينيها اللتين كانتا تسترسلان، دون قصد، في نظرات الوداع.

وفي الساعات الأخيرة، اختلفت الآلام، وما عادت ترى أو تسمع إلا ما هي فيه، واعتصرني الألم مراتٍ ومرات، بين أوهامي ويقيني.

وظللت أصرخ: أين الطبيب؟ وأين الأمل؟

عمري كله أخشى تلك اللحظة، ولكني جهلت كيف أستقبلها وأتقبلها.

كلما تذكرت أن أمي بشر، وأن كل نفسٍ ذائقة الموت، يتملكني رعبٌ بلا رحمة.

كيف أواجه لحظة موت أمي؟

وحضرت اللحظة المرعبة بكل قسوةٍ وبلا هوادة، ليتحسر قلبي على ما فاته من عمرٍ تعلمت فيه الكثير، إلا أنني لم أتعلم كيف تكون الحياة بدون أمي.

ولكن هيهات...

وصل قطار الرحيل إلينا، وقلبي يصرخ:

هل هذه هي النهاية؟

وتمر اللحظات مسرعة، وأنا بين الوعي واللاوعي، أغرق في دائرة الخوف والألم، وأجاهد نفسي كي أستعيد، للحظة، الأمل، فما أجد إلا المرارة في حلقي.

ويأتي الطبيب مسرعًا، فألتقط بعض أنفاسي، ويداعبني أملٌ مخادع، فأنهره بسرعة نبضاتي.

وما للطبيب من حيلة...

أتى أمر الله، وتصعد روحها على عجلٍ إلى رب السماوات.

فأنظر إليها عاجزة...

ما هذا؟

هل رحلتِ يا أمي وتركتِني؟

إلى أين يا غاليتي؟

فوالله، صعد قلبي خلف روحك، يبحث عنكِ بين الماضي والآتي.

ارتجفت يدي وهي تُغمض عينيكِ، واللهفة عليكِ تكويني.

العالم يتحدث حولي، والصمت يملأ كياني.

فجلست إليها أتساءل:

إلى من، يا حبيبة الروح، تتركينني؟

أتظاهر بقوةٍ كاذبة، ودموعي لا تترك عيني.

إلى رب العرش، مع ملائكته ورسله، عليكِ السلام لدار السلام، وإيماني يحتويني.

زلزالٌ يهدم أركان قلبي...

مهلًا يا ملائكة الرحمن.

مهلًا، فقد قبضتم روحها، وأخذتم الأمان والحنان، ومن كانت تحتويني.

مهلًا، فقد أخذتم غاليتي، فأعطوني صبرًا يكفيني.

مهلًا بروح الغالية، فإني أرى أمام عيني كل ذكرياتي معها وسنيني.

أمهلوني أحتضن جسدها، أقبّل أقدامها، ألمس بقايا روحها.

مهلًا، فما زالت أمامي، وكاد يقتلني حنيني.

ويلي من فراقكِ يا أمي، فمن يسطر شهادة وفاتكِ، يسطر معها الحزن فوق جبيني.

نعم، رحلت غاليتي...

إلى الحياة الأبدية.

وعزائي جمال ابتسامتها، ومن الأوجاع والأسقام رحمتها.

وأتوسل إلى الله في منامي أن تأتيني.

مضى وانتهى العزاء، وانطفأت كل الأضواء.

وعاد الصمت يجمع بيني وبين ضجيجٍ في الفضاء.

رحلت من كان يُكرمكِ الله من أجلها، فافعلي لنفسكِ ما يرضى به رب الأرض والسماء.

وما بقي إلا صورتها تراودني، وصوتها يناديني، ولا أملك لها إلا الدعاء.

أمي... يا رب، أمي.

فراقها ينحر قلبي ويبكيني.

احشرها في زمرة الصدّيقين والصالحين والشهداء، حتى تجمعني بها في الفردوس، يوم أترك دار الفناء.

في رثاء أمي

دعاء فايد

مقالات الرأي

آخر الأخبار