من نيودلهي إلى القاهرة: كيف تعيد «دبلوماسية بريكس» رسم خريطة الأمن الغذائي المصري؟


مع انطلاق فعاليات قمة تكتل "بريكس" في العاصمة الهندية نيودلهي، وإلقاء كلمة مصر المحورية أمام قادة دول التكتل، يتجه تركيز التحليلات الاقتصادية والصحفية نحو الثمار المباشرة والعملية التي يجنيها الاقتصاد المصري من هذا الانضمام الاستراتيجي التاريخي. وفي مقدمة هذه المحاور يأتي ملف «الأمن الغذائي والقطاع الزراعي»؛ باعتباره حجر الزاوية في بناء قدرة الدولة على التكيف مع الأزمات الاقتصادية العالمية وتغيرات سلاسل الإمداد المتلاحقة. إن مشاركة مصر في هذا المحفل الدولي لا تعبر فقط عن حضور سياسي بارز، بل تعكس رؤية متكاملة تسعى لتأمين القوت اليومي للمواطنين عبر تحالفات استراتيجية مع أكبر القوى الاقتصادية الصاعدة.
لم يعد الانضمام إلى تكتل "بريكس" مجرد خطوة دبلوماسية أو تحالف سياسي تقليلي، بل هو إعادة تشكيل شاملة لهيكل العلاقات الاقتصادية والتجارية الخارجية لمصر، وتحديداً في قطاع الزراعة الذي يمس معيشة المواطن المصري بشكل مباشر يومياً. إن التحول نحو هذا التكتل يمنح الدولة قدرة أكبر على المناورة في أسواق السلع الأساسية، ويوفر بيئة مواتية للحد من الآثار السلبية للتقلبات الجيوسياسية الهيكلية. ومن خلال الربط بين الإنتاج المحتجز داخلياً وشبكات التوريد العالمية الضخمة التابعة لأعضاء "بريكس"، تتمكن مصر من بناء صداد حقيقي أمام أزمات التضخم الاستيرادي واضطرابات الملاحة، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
تنعكس أهمية هذا التكتل بوضوح في لغة البيانات الاقتصادية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، والتي تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر ودول مجموعة "بريكس" بلغت نحو 15.5 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2024 فقط (مقارنة بـ 13.3 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2023)، متجهاً نحو تسجيل أرقام قياسية غير مسبوقة. تعكس هذه القفزة الرقمية نمواً متسارعاً في الشراكة الاقتصادية الحقيقية بين الطرفين، وتؤكد أن السوق المصري بات ينطوي على أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لدول التكتل، سواء كمنفذ استهلاكي كبير أو كبوابة رئيسية للعبور نحو الأسواق الأفريقية والعربية.
وفي هذا الميزان التجاري الضخم، يمثل القطاع الزراعي والغذائي ركيزة حيوية لضمان الأمن الغذائي القومي؛ حيث تستورد مصر الجزء الأكبر من احتياجاتها الحتمية من القمح، فول الصويا، والزيوت النباتية من دول التكتل المتقدمة في هذا المجال. وتوفر دولتان رئيسيتان مثل روسيا والبرازيل القسم الأعظم من واردات القمح والصويا للأسواق المصرية، إذ تستورد مصر وحده زهاء 60% إلى 70% من قمحها من الأسواق الروسية والبرازيلية. هذا الاعتماد المتبادل المخطط له يضمن تدفقاً مستقراً للسلع الاستراتيجية دون انقطاع، ويمكّن المخزون الاستراتيجي للدولة من الصمود لفترات أطول أمام الهزات الخارجية.
في المقابل، تُعد الموالح المصرية (وعلى رأسها البرتقال)، البطاطس، البصل، والرمان من أهم السلع النافذة بقوة إلى أسواق دول تكتل "بريكس" المتنوعة ذات القدرة الشرائية العالية. وتأتي دول روسيا والصين والهند في صدارة المستوردين للموالح والبطاطس المصرية بكميات ضخمة تتجاوز مئات الآلاف من الأطنان سنوياً، وبصادرات زراعية متزايدة تتجاوز مئات الملايين من الدولارات. هذا التوسع الصادري يساهم بشكل مباشر في دعم الحصيلة الدولارية، ويدعم القوة التنافسية للحاصلات الزراعية المصرية التي باتت تطابق أعلى معايير الجودة والسلامة الغذائية الدولية المطلوبة في الأسواق الآسيوية والأوروبية.
إن القيمة المضافة الحقيقية للانضمام لمجموعة "بريكس" في الملف الزراعي تنقسم إلى شقين أساسيين؛ أولهما الآلية المالية المبتكرة وتخفيف الضغط على العملة الصعبة. يتيح التكتل إمكانية تسوية المعاملات التجارية والزراعية بالعملات الوطنية أو عبر آليات مقاصة مالية متطورة بين البنوك المركزية. هذا الإجراء الاقتصادي الهام يمنح مصر مرونة عالية في استيراد مدخلات الإنتاج الزراعي والأسمدة والمحاصيل الاستراتيجية دون الحاجة إلى الضغط المستمر على احتياطي النقد الأجنبي من الدولار، ما ينعكس مستقبلاً وبشكل تدريجي على استقرار أسعار السلع الغذائية الأساسية داخل السوق المحلي المصري.
أما الشق الثاني فيتمثل في التعاون الأكاديمي والزراعة الذكية؛ حيث تستعرض أحدث الأوراق والدراسات الأكاديمية (المنشورة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة والدوريات العلمية المتخصصة) كيف يسهم هذا التعاون في نقل وتوطين التكنولوجيا الزراعية الحديثة. وتبرز الشراكات العلمية الممتدة بين مراكز البحوث المصرية والمعاهد التكنولوجية المتقدمة في الصين وروسيا والبرازيل والأرجنتين لتطوير أصناف هجينة من القمح والأرز والصويا تتمتع بقدرة فائقة على مقاومة الملوحة والتكيف مع الشح المائي. علاوة على ذلك، يتوسع هذا التعاون في استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد لإدارة نظم الري وتطوير الصوبات الزراعية.
إن مشاركة مصر وكلمة سيادة الرئيس في قمة "بريكس" تثبت أن أهداف رؤية مصر 2030 تنسجم وتتكامل بوضوح مع التحولات الاقتصادية الكبرى التي تقودها دول "الجنوب العالمي" (Global South). إن تحويل هذه التحالفات الدولية والاتفاقيات الإطار إلى مشروعات ملموسة على أرض الواقع—سواء عبر التوسع في استصلاح الأراضي الصحراوية، أو جذب استثمارات دول بريكس للداخل للتصنيع الغذائي وتأمين سلاسل الإمداد—هو الطريق الأمثل لتعظيم القيمة المضافة للمنتج المصري، وحماية المزارع الصغير من تقلبات الأسواق العالمية، وضمان حق الأجيال القادمة في أمن غذائي مستدام وآمن.
ختاماً، تجسد «دبلوماسية بريكس» خياراً استراتيجياً لا غنى عنه لصياغة واقع اقتصادي جديد يقوم على التكافؤ وتبادل المنافع واستغلال المزايا النسبية لكل دولة. إن تمكين القطاع الزراعي المصري عبر بوابة هذا التكتل الضخم لا يعني فقط تأمين المحاصيل وتوطين التقنيات، بل يمتد لبناء شبكة أمان اقتصادية واجتماعية تحمي الوطن من الصدمات المستقبلية. ومن خلال الاستمرار في تعزيز التبادل التجاري المباشر والتعاون البحثي، تضع مصر قدماً ثابتاً على طريق تحقيق الاستقلال الغذائي والنهوض بالريف المصري نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.






















