الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 05:22 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

د. امينة زنون تكتب: الاستحقاق المتضخم

بوابة المصريين

هناك من يظن أن العالم مدين له .

فهناك من يظن أنه يستحق كل شئ، كل ما يراه ويعجبه يعتقد انه يستحقه دون عناء.
دون أن يسأل نفسه يومًا: ماذا قدمت؟
وهل هذا من حقي أم لا ؟

هو يري انه يستحق أي شئ وأن لم يكن ملكه .
يريد الاهتمام، لكنه لا ينتبه لاحتياجات الآخرين.
يريد التقدير، لكنه لا يجيد تقدير أحد

يريد أن يُسمع، لكنه لا يعرف كيف يستمع

يريد من الآخرين أن يتفهموا ظروفه، بينما يرى ظروف أعذارًا

يريد أن تُراعى مشاعره، وكأن مشاعر الآخرين أقل أهمية

المشكلة هنا ليست في أن الإنسان يرى نفسه جديرًا بالحب أو الاحترام؛ فهذا حق إنساني طبيعي
المشكلة تبدأ عندما يتحول الإحساس بالقيمة إلى شعور بالامتياز

عندها لا يعود يقول
«أنا أستحق لأنني أقدم وأجتهد وأحترم الآخرين
بل يصبح منطقه
أنا أستحق… لأنني أنا
وقد لا يفكر أصلا في كونه يستحق ذلك فعلا ام لا.
وحين لا يحصل على ما يريد، لا يراجع توقعاته، بل يبحث عن شخص يحمّله مسؤولية خيبة توقعاته وفشله في بعض الأحيان.

قد يغضب من الرفض، لا لأن حقًا سُلب منه، وإنما لأن شخصًا آخر تجرأ على أن يقول له: لا

وقد يعتبر الحدود قسوة، والاستقلال أنانية، والاختلاف إهانة، وعدم تلبية رغباته تقصيرًا

والأغرب أن هذا الشخص قد يطالب الآخرين بما لا يطالب به نفسه؛ يريد منهم الوفاء، ولا يلتزم بالقدر نفسه،
يريد الصراحة لكنه لا يحتمل سماعها
يريد التضحية لكنه يرى تضحيته استثنائية وتضحيات الآخرين واجبًا

هو لا يرى العلاقة مساحة متبادلة بين طرفين، بل مساحة يحصل فيها على ما يعتقد أنه يستحقه
والاستحقاق المتضخم لا يصنع إنسانًا سعيدًا كما يبدو؛ لأنه يجعل سقف توقعاته أعلى من قدرة العالم على إرضائه

كلما حصل على شيء، أصبح الشيء التالي حقًا جديدًا، فهو لا يشبع أبدا.

فكلما اعتاد على امتياز، اعتبره أمرًا طبيعيًا
وكلما تنازل الآخرون له، ارتفع سقف توقعاته فيما يستحق و يطلبه منهم.
حتى يصبح السؤال الذي يطارده دائمًا
«لماذا لم أحصل على المزيد؟
دون أن يخطر له السؤال الأصعب

ماذا أعطيت أنا؟

ومن الأشياء الخطيرة في التعامل مع تلك الشخصية :
انه في بعض الأحيان يتحول تدريجيا الي شخص حقود يطمع فيما يملك الآخرين.

النضج النفسي يبدأ عندما يدرك الإنسان أن قيمته لا تعني أنه محور الكون، وأن استحقاقه للاحترام لا يعني امتلاكه حقًا في التحكم بالآخرين

فالحياة ليست قائمة مطالب، والعلاقات ليست حسابًا مصرفيًا نسحب منه وقتما نشاء.
أن تعرف قيمتك شيء جميل، وأن تظن أن قيمتك تلغي قيمة الآخرين شيء آخر تمامًا
فليس كل ما نريده حقًا لنا، وليس كل ما نتمناه واجبًا على الآخرين، وليس كل رفضٍ ظلمًا.

وأحيانًا يكون أكثر ما يحتاجه الإنسان الذي يظن أن العالم مدين له هو أن يتوقف قليلًا عن سؤال
ماذا يجب أن أحصل عليه؟

ماذا أستحق فعلا ، وماذا اقدم ف المقابل ؟

فهناك من لا يرى الحياة علاقة متبادلة بين الأخذ والعطاء، بل يراها قائمة طويلة من الأشياء التي يستحق الحصول عليها.

يستحق
الاهتمام
والتقدير
والوقت
والتنازل
والتفهم
والفرص
وربما حتى أخطاء الآخرين، التي يتوقع منهم أن يغفروا له مثلما يغفر هو لنفسه.
لكن عندما يأتي الدور عليه ليعطي، يصبح الأمر مختلفًا.
هنا قد تجد أن ما كان يطالب به باعتباره «حقًا» يتحول عندما يطلبه الآخرون منه إلى (مجاملة)

وهذه إحدى أكثر علامات الاستحقاق المتضخم إرهاقًا في العلاقات:
المعيار الذي يقيس به نفسه ليس هو المعيار الذي يقيس به الآخرين.
هو يريد أن تُفهم ظروفه، لكنه لا يمنح الآخرين المساحة نفسها.
يريد أن يُسامح على أخطائه، لكنه قد يحتفظ بأخطاء الآخرين في ذاكرته.
يريد فرصة ثانية وثالثة، لكنه قد لا يمنح غيره حتى فرصة لشرح موقفه.
أنت مقصر… لأنك لم تفعل ما أريده
الشخص الاستحقاقي لا يحتاج دائمًا إلى أن يطلب بشكل مباشر.
أحيانًا يكفي أن تكون له توقعات لم تتفق عليها معه أصلًا.
فإذا لم تفعل ما توقعه، أصبحت مقصرًا.
وهنا تبدأ العلاقات في الدخول إلى دائرة مرهقة:
توقع → عدم تلبية → غضب → لوم → شعور بالذنب لدى الطرف الآخر → تنازل → ارتفاع سقف التوقعات من جديد.
ومع الوقت، قد يتعلم الطرف الآخر أن راحته مرتبطة برضا هذا الشخص؛ فيبدأ في مراقبة كلماته، وحساب تصرفاته، وتجنب الرفض، فقط حتى لا تبدأ مشكلة جديدة.
وهنا لا تعود العلاقة قائمة على المودة، بل على إدارة ردود الفعل.
الاستحقاق لا يرى الحدود بسهولة
من أكثر الأشياء التي تكشف الاستحقاق المتضخم: كيف يتعامل الإنسان مع كلمة (لا) .
الشخص الناضج قد يشعر بالخيبة، لكنه يفهم أن للآخر حقًا في الرفض.
أما الشخص الاستحقاقي فقد يتعامل مع الرفض وكأنه إساءة شخصية:

فنجده يقرر في نفسه او علي الملأ
بعد كل ما فعلته؟ وفي الواقع هو لت يقدم شئ أصلا .
أنت لا تقدرني.
لو كنت تحبني لفعلت ذلك.
أنا لا أفعل معك هكذا.

فتتحول العلاقة من طلب إلى ضغط، ومن رغبة إلى ابتزاز عاطفي أحيانًا.
ليس بالضرورة أن يكون ذلك مقصودًا أو واعيًا، لكن أثره على الطرف الآخر قد يكون واحدًا:
جعله يشعر أنه مطالب دائمًا بإثبات حبه أو ولائه من خلال التنازل.
لماذا يصبح التعامل معه مرهقًا؟
لأنك مهما أعطيت، قد لا تشعر أنك وصلت إلى نقطة الاكتفاء.
فالاستحقاق المتضخم لا يشبع بسهولة.
ما كان بالأمس «فضلًا عظيمًا» يصبح اليوم أمرًا عاديًا، وما كان استثناءً يتحول إلى قاعدة، وما كان تنازلًا يصبح واجبًا.
وبمرور الوقت، قد يفقد الشخص قدرته على رؤية العطاء باعتباره عطاءً أصلًا.

وهنا تحدث المفارقة:
كلما أعطاه الآخرون أكثر، قد يزداد شعوره بأنهم لم يعطوه بما يكفي.

لكنه ليس دائمًا شخصًا شريرًا
وهذه نقطة مهمة.
الاستحقاق المتضخم ليس حكمًا أخلاقيًا على الإنسان، ولا يعني وحده أنه نرجسي أو مصاب باضطراب في الشخصية.
قد تكون وراءه عوامل مختلفة: طريقة تربية، اعتياد على تلبية المطالب، خبرات جعلت الشخص شديد الحساسية تجاه الحرمان، أو نمط تعلم فيه أن الحصول على ما يريد هو الطريقة الطبيعية للشعور بالأمان والقيمة.

لكن فهم السبب لا يعني قبول السلوك المؤذي.
يمكننا أن نفهم لماذا يفعل الإنسان شيئًا، وفي الوقت نفسه نضع حدودًا واضحة أمامه.
وربما هنا يبدأ العلاج الحقيقي
ليس بأن نقول له:

أنت لا تستحق.
وإنما أن نساعده على اكتشاف حقيقة أكثر نضجًا:
(أنت تستحق… لكن الآخرين أيضًا يستحقون)

تستحق الاحترام، لكن لا تملك الآخرين.
تستحق الحب، لكن لا تستطيع إجبار أحد على منحك إياه.
تستحق المساعدة، لكن ليس كل شخص ملزمًا بإنقاذك.
تستحق التقدير، لكن التقدير لا يُنتزع بالمطالبة.
وتستحق أن تُسمع، لكن عليك أيضًا أن تتعلم الاستماع.

فالعلاقات الصحية لا تقوم على سؤال:

(ماذا يجب أن يفعل الآخرون من أجلي؟)

بل على سؤالين متوازنين:

«ماذا أحتاج؟ وماذا أقدم؟»

وربما أجمل علامة على النضج النفسي أن يستطيع الإنسان أن يقول:

(أنا أعرف قيمتي… لكنني لا أحتاج إلى أن أقلل من قيمة الآخرين كي أشعر بها).

فالعالم ليس مدينًا لنا بكل ما نرغب فيه.

والآخرون ليسوا موجودين ليملؤوا الفراغات التي بداخلنا.

نحن نستحق أشياء كثيرة… لكننا لا نستحق الآخرين.

مقالات الرأي

آخر الأخبار