هشام بيومي يكتب: صمت لينكون


كان الهواء في قاعة الكونغرس ثقيلاً كأنه يحمل أسئلة لا أجوبة لها.
دخل الرجل من الباب الخلفي، لا موكب يسبقه ولا حرّاس تحيط به، فقط خطوات بطيئة وقامة طويلة تميل قليلاً للأمام كمن يحمل ثقلاً غير مرئي على كتفيه. كان معطفه الأسود الذي عرفه التاريخ مترّباً كأنه لم يُنفض منذ قرنين، وعيناه الغائرتان الرماديتان تجولان في القاعة بهدوء القاضي لا بفضول السائح.
توقفت الهمهمات.
توقفت الأصابع عن النقر على الشاشات.
التفت أعضاء الكونغرس واحداً تلو الآخر، وحين رأوا وجهه — ذلك الوجه الذي نحتته الحرب والحزن والسنوات — لم يصدّق أحدٌ ما تراه عيناه، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على الكلام.
مشى نحو المنصة ببطء واثق. لم يصافح أحداً. لم يبتسم. وضع يديه الكبيرتين على حافة المنبر ونظر إلى الجمع طويلاً، كأنه يقرأ في وجوههم ما لم يجرؤوا هم على قراءته في أنفسهم.
ثم تكلّم. وكان صوته خشناً هادئاً كصوت نهر تحت الجليد.
"أيها السادة،
جئتُ من مكان لا تصله البرقيات ولا تناله القنوات، فلا تسألوني كيف جئت، بل اسألوا أنفسكم لماذا احتجتم إلى أن يأتي أحدٌ مثلي.
رأيتُ ما يحدث. رأيته كما كنتُ أرى الحرب الأهلية من نافذة البيت الأبيض — لا بعيون المنتصر، بل بعيون من يعلم أن كل رصاصة تُطلق هي قبر لم يُحفر بعد.
سمعتُ أنكم ذهبتم إلى الحرب. حسناً. لكن أين الإجابة؟
"ليس السؤال: هل عدوّكم قوي أم ضعيف؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا ستكونون أنتم حين تضع الحرب أوزارها؟"
في أيامي، كنا نحارب أنفسنا — شمالاً وجنوباً، أخاً وأخاً. كانت الأسباب معروفة، والجراح مفهومة، والهدف — وإن كان وعراً — يمكن لمسه بالأيدي. حتى في تلك المأساة كان ثمة خيط يوصل إلى صباح ما.
أما اليوم، فأنا أسمع الطائرات ولا أسمع الحجة. أرى النيران ولا أرى الخريطة. أسمع كلمة 'ضرورة' يرددها المسؤولون كما يردد النائم كلاماً لا يفهمه.
"الحرب التي لا تعرف لماذا بدأت، لن تعرف أين تنتهي."
أيها السادة الممثلون للشعب —
تلك الكلمة: 'ممثلون للشعب'، أُذكّركم بها لأن الشعب نفسه يرفض ما تفعلون. وحين يرفض الشعبُ حربه، فهذه ليست جُبناً — هذا هو العقل يرفض أن يُسرق منه.
لستُ هنا لأقول لكم: لا تحاربوا. أنا لم أكن رجل سلام في كل الأحوال — كنتُ رجلَ سبب. وحين قررتُ الحرب، قررتها لأنني كنتُ أعرف ما الذي سيُبنى على أنقاضها.
"فأسألكم: ماذا ستبنون؟"
لا تجيبوني بالأرقام العسكرية. لا تجيبوني بخرائط النفوذ. أجيبوني بشيء واحد فقط: حين يعود الجنديُّ الأمريكي إلى بيته — إلى أمه، إلى طفله، إلى مدينته الصغيرة التي لا يعرفها أحد — ماذا سيقول حين يُسأل: لماذا ذهبتَ؟
"إن كان سيصمت، فأنتم أوصلتموه إلى حرب لا اسم لها."
"والحرب التي لا اسم لها، أيها السادة، هي أشدّ الحروب إثماً."
"في عام ١٨٦٣ وقفتُ أمام قبور في غيتيسبرغ وقلتُ: لا يمكن لكلماتنا أن تُقدّس هذه الأرض — فعلُ هؤلاء القتلى قدّسها بالفعل. وكنتُ أؤمن بما قلتُه لأنهم ماتوا لشيء كانوا يعرفونه."
"أما قتلى حرب لا يعرف أحد سببها — فمن سيقف أمام قبورهم؟ وماذا سيقول؟"
"أيها الأعضاء الكرام،"
أنتم لستم هنا لتمرير قرارات — أنتم هنا لتحمل ضمائر. والضمير حين يصمت في قاعات السلطة، لا يختفي — بل يصرخ في بيوت الشعب.
اسمعوا ذلك الصراخ قبل أن يتحوّل إلى شيء لا يمكن نسيانه.
"الحرية ليست أن تُحارب. الحرية هي أن تعرف متى لا تفعل."
"شكراً.""
وضع يديه عن المنبر ببطء.
لم يصفق أحد في البداية. لم يكن الصمت محرجاً — كان صمتَ من يُدرك أنه سمع للتو ما كان يعرفه ولا يجرؤ على قوله.
ثم مشى نحو الباب الذي جاء منه، وقامته الطويلة تظلّل الممر كشجرة وحيدة في حقل مفتوح.
وحين وصل إلى الباب، التفت مرة أخيرة. نظر إلى القاعة كلها نظرة واحدة هادئة.
ثم خرج.
ولم يبقَ منه شيء إلا ذلك السؤال الذي تركه معلقاً في الهواء الثقيل:
"ماذا سنقول علي قبور موتا الحرب؟
























