هشام بيومي يكتب: التاريخ المسروق… مصر التي سبقت الزمان


حين يكتب التاريخ، تختزل مصر في خمسة آلاف عام تبدأ من لحظة توحيد الملك مينا للشمال والجنوب عام 3100 قبل الميلاد، وكأنها لم تكن موجودة قبل ذلك. وحين يتحدثون عن نشأة البشرية، يرفعون حجرًا اكتُشف في إثيوبيا عام 1975 عمره مليونا سنة، ليزعموا أن الحضارة انطلقت من هناك أو من تنزانيا. لكن الحقيقة يا صديقي، أن هذه الرواية ليست سوى تزوير متعمد، وبهتان يُراد به طمس عظمة مصر وإخفاء جذورها الضاربة في أعماق الزمن.
البداية تعود إلى العباسية عام 1925، حين خرج المستكشف الفرنسي الأب بول بوفييه لابيير يتتبع آثار مجرى النيل. هناك، وسط المساطب التي بدت كأنها متحف طبيعي للتاريخ المصري القديم، عثر على فأس حجري عمره 400 ألف سنة، وأوانٍ وأدوات لا تُحصى. لكن الاكتشاف الأهم كان حجرًا مدببًا منحوتًا بيد الإنسان، عمره مليونا سنة. هذا الحجر لم يكن مجرد قطعة صخر، بل شهادة دامغة على أن مصر كانت مأهولة، وأنها مركز حضاري منذ فجر الإنسانية.
غير أن أوروبا لم تحتمل هذا الخبر؛ فالعصر الحجري كان ميدانًا يقتات منه علماؤها، ورؤية مصر تتصدر المشهد كانت تهديدًا لمكانتهم. فدُفن الحجر في أدراج المتحف المصري، وأُسدل عليه ستار النسيان، بينما صُنعت روايات إعلامية ممولة لتلميع اكتشافات إثيوبيا وتنزانيا، وترويج فكرة أن مهد الحضارة في قلب إفريقيا، مع تجاهل متعمد لدور مصر.
لكن التاريخ لا يُمحى، والحق لا يموت. ففي عام 2020، وبينما كانت الدكتورة دعاء سيد إبراهيم الباحثة بوزارة الاثار المصرية تُعد أطروحتها عن نشأة الحضارة المصرية، عثرت مع الدكتور أبو الحسن البكري الاستاذ في العصور الحجرية وما قبل التاريخ بجامعة القاهرة، على إشارات قديمة إلى اكتشاف الأب بول. فتوجها إلى المتحف المصري، وأخرجا الحجر من ظلام الأدراج إلى نور البحث العلمي. وبعد دراسة دقيقة، تبيّن أن الحجر صُنع في مصر، ولم يُجلب من مكان آخر.
وفي كتابه مصر ليست معبر، خرج العالم البلجيكي بيير فير ميرش عن صمته، مؤكّدًا أن الدراسات الأثرية في مصر انشغلت بروائع العصر الفرعوني، بينما تُرك العصر الحجري القديم في وادي النيل مهمّشًا، وكأن مصر لم تكن سوى محطة عبور للإنسان في رحلته إلى العالم. لكن اكتشاف العلماء المصريين أعاد صياغة الحقيقة: مصر لم تكن معبرًا، بل كانت مركزًا حضاريًا منذ مليوني سنة.
وهكذا، يتضح أن تاريخ مصر أوسع من أن يُختزل في الأهرامات والمعابد، وأقدم من أن يُحصر في خمسة آلاف عام. إنها أرضٌ كتبت أولى صفحات الحضارة الإنسانية، ثم وُئدت شهاداتها تحت ركام التزوير. واليوم، يعود الحجر المدبب ليصرخ من أعماق الزمن: مصر هي بداية التاريخ.
























