الخميس، 15 يناير 2026 02:33 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: الهروب الكبير

بوابة المصريين

عندما تشاهد وثائقي "الجزيرة" عن الزعيم الكونغولي الراحل "باتريس لومومبا"، وتظهر السيدة "جوليانا" أو شقيقها "رولاند" ليتحدثا، تتوقع أن تسمع الفرنسية أو لغة "اللينغالا". لكن الصدمة الجميلة تأتيك حين تنطق ألسنتهم بلهجة مصرية قاهرية "أصيلة"، وكأنهم ولدوا في حي شبرا أو السيدة زينب.
هذا المشهد ليس مجرد "لقطة طريفة"، بل هو رأس جبل الجليد لقصة ملحمية عن الوفاء، والمخابرات، والأخوة الأفريقية التي كانت مصر عبد الناصر قلبها النابض.
المشهد الأول: استغاثة من قلب الجحيم
في عام 1960، كان "باتريس لومومبا"، أول رئيس وزراء منتخب للكونغو، يواجه مصيراً مأساوياً بعد تكالب القوى الاستعمارية وأعوانها عليه. كان الرجل يدرك أن حياته ثمن لحرية بلاده، لكن قلبه كان يحترق خوفاً على أطفاله الصغار (فرانسوا، باتريس جونيور، جوليانا).
لم يجد لومومبا ملاذاً أمنًا يثق به سوى "جمال عبد الناصر". أرسل استغاثة يطلب فيها حماية عائلته، واستجابت القاهرة فوراً، لكن المهمة كانت شبه مستحيلة: كيف تخرج عائلة المطلوب الأول عالمياً من حصار مطبق؟
"العملية 007": الهروب إلى القاهرة
ما حدث بعد ذلك كان أقرب لأفلام هوليوود، لكنه كان واقعاً سطره ضباط ودبلوماسيون مصريون. بأوامر مباشرة من القيادة المصرية، تحركت "العملية الخطرة".
تشير الروايات التاريخية (ومنها رواية الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل واللواء عبد العزيز إسحاق) إلى خطة تهريب معقدة. تم تهريب الأطفال وزوجة لومومبا عبر حدود الكونغو الملتهبة، في رحلة شاقة تضمنت التخفي وتغيير المسارات حتى وصلوا إلى بر الأمان في مصر.
لم تكن مجرد عملية إجلاء؛ كانت عملية انتزاع أطفال من بين أنياب الموت.
عندما وصل الأطفال إلى القاهرة، لم يوضعوا في مخيم للاجئين، بل استقبلهم عبد الناصر في بيته، واحتضنهم كأبناء له. عاشوا في حي الزمالك، ودخلوا مدارس مصرية (مثل مدرسة الليسيه)، واختلطوا بالمجتمع المصري بلا حواجز.
* اللهجة المصرية: لم يتعلموا العربية الفصحى فحسب، بل شربوا "العامية المصرية". في الوثائقيات، تراهم يستخدمون تعبيرات مثل "يا جماعة"، و"أصل الموضوع"، و"ربنا يخليك"، بلكنة لا تشوبها شائبة.
* الذكريات: تروي "جوليانا لومومبا" دائماً كيف كان عبد الناصر يطمئن عليهم بنفسه، وكيف كانت مصر بالنسبة لهم هي "الوطن" الذي داوى جرح يتمهم المبكر بعد اغتيال والدهم الوحشي وإذابته في الحمض.
صرخة المشجع الكونغولي في كأس الأمم الأفريقية ليذكر العالم بالمآسي المستمرة في الكونغو. تلك الصرخة هي الامتداد الطبيعي لصرخة لومومبا القديمة.
إن دهشتنا اليوم بحديث أبناء لومومبا بالمصرية هي تذكير لنا بماضينا؛ تذكير بأننا كنا يوماً ما "قبلة الأحرار". تلك اللهجة المصرية التي خرجت من أفواههم هي وسام شرف على صدر التاريخ المصري، ودليل حي على أن مصر لم تكن تكتفي بالشعارات، بل كانت تحمي، وتربي، وتصون العهد.
قصة أبناء لومومبا ليست مجرد حكاية عن لجوء سياسي، بل هي قصة عن "مصر الكبيرة" التي كانت تتسع للجميع. حينما يتحدث "رولاند لومومبا" ويقول جملة مصرية عفوية، فهو لا يتحدث لغةً أجنبية تعلمها، بل يتحدث لغة "الأب" الذي حماه حين تخلى عنه العالم.
رحم الله لومومبا، وتحية لمن صان العهد، وشكراً لذلك المشجع الكونغولي الذي أيقظ فينا الفضول لننبش في صفحات عزنا المنسية.

مقالات الرأي

آخر الأخبار