الخميس، 30 أبريل 2026 12:22 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: علي رقعة الشطرنج

بوابة المصريين

في عالمٍ تتسارع فيه المعلومات، وتزداد فيه الفوضى الذهنية، تبحث الدول عن أدواتٍ حقيقية لتعليم الأطفال كيف يفكرون، لا ماذا يحفظون فقط. ومن بين التجارب اللافتة، جاءت أرمينيا بخطوة جريئة حين أدرجت لعبة الشطرنج ضمن المناهج التعليمية للأطفال من سن السادسة حتى الثامنة، باعتبارها مادة تُدرَّس وليست مجرد نشاط جانبي.

قد يبدو الأمر غريبًا للوهلة الأولى: لماذا تُدرَّس لعبة على رقعة سوداء وبيضاء داخل المدارس؟ لكن عند التأمل، يتضح أن الشطرنج ليس لعبة فحسب، بل مختبر مصغر للحياة.

أولًا: تدريب العقل على التفكير المنظم

الطفل حين يجلس أمام رقعة الشطرنج، لا يتحرك بعشوائية. يتعلم منذ اللحظة الأولى أن لكل حركة نتيجة، ولكل قرار ثمن، ولكل اندفاع خسارة محتملة. هنا يبدأ العقل في بناء عادة نادرة: التفكير قبل الفعل.

هذه المهارة، إذا ترسخت مبكرًا، تنعكس لاحقًا في الدراسة، وفي العلاقات الاجتماعية، وحتى في إدارة الانفعالات.

فالطفل الذي تعود أن يسأل نفسه: ماذا سيحدث بعد هذه الخطوة؟ يصبح أقل تهورًا، وأكثر ميلًا للتقدير والتحليل.

ثانيًا: تنمية التركيز والانتباه

في عصر الشاشات السريعة والمقاطع القصيرة، أصبح التركيز عملة نادرة. الشطرنج يعيد تدريب الدماغ على الصبر والانتباه الممتد.

الطفل يتابع القطع، يتذكر مواقعها، يراقب حركة الخصم، ويحسب احتمالات متعددة. هذا النوع من الانتباه المركب يقوي مهارات مهمة مثل:

التركيز الدراسي

الذاكرة العاملة

الانتباه للتفاصيل

القدرة على حل المشكلات

ولهذا ربطت بعض الدراسات بين ممارسة الشطرنج وتحسن الأداء الأكاديمي، خاصة في الرياضيات والمنطق.

ثالثًا: بناء الشخصية والانضباط النفسي

في الشطرنج، لا يمكن تعليق الخسارة على الحظ. لا نرديء، ولا بطاقة حمراء، ولا سوء طقس. الخسارة غالبًا نتيجة قرار خاطئ أو تقدير غير دقيق.

وهنا يتعلم الطفل درسًا بالغ القيمة: تحمل المسؤولية.

كما يتعلم أيضًا:

احترام الخصم

تقبل الهزيمة دون انهيار

العودة بعد الخطأ

الانتصار دون غرور

الالتزام بالقواعد

إنها مدرسة أخلاقية هادئة، لا تعتمد على الوعظ، بل على التجربة المباشرة.

رابعًا: زرع العقل الاستراتيجي

أخطر ما يمنحه الشطرنج للطفل هو الانتقال من التفكير اللحظي إلى التفكير بعيد المدى.

الطفل يسأل نفسه:

إذا حركت هذه القطعة الآن، ماذا سيحدث بعد ثلاث نقلات؟

هل أضحي بجندي لأربح موقعًا؟

هل أدافع أم أهاجم؟

ما خطة الخصم؟

هذه الأسئلة هي جوهر التفكير الاستراتيجي، وهو نفس النمط الذهني الذي يحتاجه الإنسان لاحقًا في الأعمال، والقيادة، والتفاوض، واتخاذ القرار.

خامسًا: تهذيب السلوك الاجتماعي

رغم أنها لعبة صامتة، إلا أن الشطرنج يعلم الحوار غير المنطوق:

احترام الدور

انتظار الحركة

قراءة نوايا الآخر

ضبط الانفعال

المصافحة قبل وبعد المباراة

ولهذا يمكن أن تكون أداة مفيدة للأطفال كثيري الاندفاع أو ضعيفي الصبر.

لماذا أرمينيا تحديدًا؟

أرمينيا معروفة بثقافة قوية في الشطرنج، وخرج منها لاعبون بارزون عالميًا. لكنها لم تنظر إلى اللعبة كرياضة نخبوية فقط، بل كوسيلة لبناء رأس مال ذهني للأجيال الجديدة.

كأن الدولة تقول:

إذا أردنا مستقبلًا قويًا، فلنبدأ بتعليم الطفل كيف يفكر.

هل يمكن أن توجد سلبيات؟

نعم، إذا تم تقديم الشطرنج بطريقة جامدة أو تنافسية مفرطة، قد يتحول إلى ضغط نفسي. أما إذا قُدم بأسلوب مرح وتدريجي، فإنه يصبح أداة تربوية ممتازة.

المفتاح ليس في الرقعة، بل في طريقة التعليم.

في الختام :

حين تضع دولة الشطرنج في مناهجها، فهي لا تدرّس لعبة، بل تدرّس:

الصبر

الحساب

المسؤولية

التوقع

الانضباط

التفكير الاستراتيجي

إن الطفل الذي يتعلم كيف يحمي ملكه على الرقعة، قد يكبر وهو أقدر على حماية مستقبله في الحياة.

وربما لهذا السبب، أدركت أرمينيا أن بعض الحصص الدراسية لا تحتاج إلى سبورة… بل تحتاج إلى 64 مربعًا فقط.

مقالات الرأي

آخر الأخبار