هشام بيومي يكتب: اختطاف نبي..


سرقةٌ من نوع خاص:
في تاريخ الشعوب والحضارات سرقاتٌ كثيرة — تُنتزع فيها الأرض، وتُنهب الثروات، وتُقتلع السيادات. هذه سرقاتٌ مؤلمة لكنها مرئية. غير أن ثمة نوعاً آخر من السرقة لا يراه إلا الناظر بعين الوعي: سرقةُ الأنبياء.
حين يُنتزع اسم نبيٍّ كريم من سياقه الإيماني العميق ويُعاد تشكيله رمزاً لمشروع استعماري توسّعي، يكون الاختطاف قد بلغ أخطر مراحله. لأن الضحية — وهي الشعوب التي تعظّم هذا النبي — تجد نفسها أمام معضلة: رفض المشروع يبدو كأنه رفضٌ للنبي نفسه، والقبول به يعني القبول بتهريب الاحتلال داخل عباءة القداسة.
هذا بالضبط ما فعله المشروع الإبراهيمي مع سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. نبيٌّ أسّس الكعبة وكسّر الأصنام وقفز في النار لأجل التوحيد — استُدعي اسمه ليُزيّن اتفاقيات تُطبّع مع الكيان الذي يحاصر ذرّيته ويهدم بيته ويحفر الأنفاق تحت مسجده.
أولاً: إبراهيم في القرآن الكريم — النبي الذي لا يقبل المساومة
القرآن الكريم لم يذكر إبراهيم عليه السلام عابراً. ذكره تسعاً وستين مرة في خمس وعشرين سورة وثلاث وستين آية — هذا الحضور الكثيف المتجدد ليس تكراراً بل هو إعلانٌ متجدد عن مكانة لا تُختزل في مصطلح سياسي ولا في اتفاقية دولية.
وما يميّز صورة إبراهيم في القرآن تميّزاً يُفحم كل ادّعاء إبراهيمي هو حسمه القاطع لسؤال الانتماء. تقول الآية الكريمة:
﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين﴾
[آل عمران: 67]
هذه الآية وحدها تُسقط المشروع الإبراهيمي من جذوره. فالذي يدّعي أن إبراهيم "أبٌ مشترك للأديان الثلاثة بالتساوي" يتجاهل أن القرآن حسم هذا الجدل منذ أربعة عشر قرناً: إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً. كان حنيفاً مسلماً. والانتساب إليه لا يكون بالدم أو العرق أو الثقافة، بل بالاتباع والإيمان.
وقد أكّد القرآن هذا المعيار صراحةً: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا﴾ [آل عمران: 68]. الأولوية للاتباع لا للنسب — وهذا يُفنّد كل ادّعاء يهودي أو صهيوني بالإرث الإبراهيمي العضوي أو الجيني.
أما الأفعال الكبرى التي ارتبط بها إبراهيم في القرآن فكلها تنطق بضد ما يريده المشروع الإبراهيمي: كسّر الأصنام ودفع ثمن ذلك ناراً لم تحرقه. بنى الكعبة مع ابنه إسماعيل داعياً الله. قال لأبيه وقومه بوضوح لا يقبل الالتباس: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: 52]. ومُنح أرفع لقب: ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾ [البقرة: 124] — إمامٌ يُقتدى لا رمزٌ يُستأجر.
إبراهيم القرآن إذن هو نموذج التوحيد الخالص الرافض لكل مساومة. هو الذي يكسر لا الذي يُصالح. والمشروع الإبراهيمي حين يستعير اسمه يفعل تماماً ما رفضه إبراهيم: يُقدّم الباطل في صورة الحق، ويُصوّر الاستسلام باسم الأخوة، ويجعل التخلّي عن المظلوم "عودةً إلى الجذور."
ثانياً: إبراهيم في التوراة — النص الذي يحمل الاختطاف في طياته
صورة إبراهيم في التوراة تتشارك مع القرآن في القواسم الكبرى: رجلٌ اختاره الله للإيمان به، أبٌ لإسماعيل وإسحاق، مهاجرٌ إلى أرض كنعان، مُبتلىً بالأمر بذبح ابنه. هذه قواسم حقيقية لا خلاف عليها.
لكن التوراة تُضيف فوق هذه القواسم ما لا يقبله المنطق ولا يتوافق مع مقام النبوة. ومن أبرز ما تُضيفه ذلك النص المحوري في سفر التكوين، الإصحاح الخامس عشر، الآية الثامنة عشرة:
"في ذلك اليوم قطع الرب مع إبراهيم ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات."
هذه الجملة الواحدة هي التي يبني عليها المشروع الصهيوني ادّعاءه الأكثر خطورة. من نهر مصر إلى الفرات — أي ما يشمل في أوسع تفسيراته مصر وفلسطين والأردن ولبنان وسوريا والعراق والكويت وأجزاءً من السعودية وتركيا. والحجة الصهيونية صريحة: الوثيقة الوحيدة التي نحتاجها هي الكتاب المقدس. هكذا قالت المستوطنة دانييلا فايس أمام الكاميرات دون خجل.
غير أن القرآن الكريم يرفع الإشكال بمنطق تاريخي لا يُدحض: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون﴾ [آل عمران: 65]. كيف يكون إبراهيم يهودياً والتوراة لم تُنزَّل إلا على موسى بعده بمئات السنين؟ الحجة التاريخية وحدها تُسقط الادّعاء.
وقد أشار العلماء إلى ما هو أبعد من ذلك: الدراسات الأكاديمية الغربية ذاتها تُقرّ بأن نص التوراة الذي بين أيدينا خضع لمراجعات وإضافات بشرية ممتدة من القرن السادس حتى الخامس قبل الميلاد — أي بعد إبراهيم بآلاف السنين. ومن ثمّ فإن نصوص "عهد الأرض" هذه لا يمكن اعتبارها وثيقةً أصليةً غير مُلوَّثة بالتحريف.
ثالثاً: الاختطاف السياسي — من النبي إلى الشعار
الاختطاف الحقيقي لم يبدأ بكوشنر عام 2020. بدأ تدريجياً عبر مراحل يرصدها الكتاب بدقة:
المرحلة الأولى — الأكاديمية التمهيدية: في التسعينيات أرسلت جامعة هارفارد فريقاً لاختبار "المشترك الإبراهيمي" في المنطقة، بحثاً عن إطار ديني يُمرّر من خلاله مشروع التطبيع بلغة أخف وطأةً على الوجدان العربي الإسلامي.
المرحلة الثانية — المأسسة السياسية: عام 2013 جنّدت وزارة الخارجية الأمريكية مئة شخص من السياسيين ورجال الدين لترويج الفكرة الإبراهيمية. لم يعد إبراهيم موضوع دراسة أكاديمية بل أصبح أداةً في السياسة الخارجية الأمريكية.
المرحلة الثالثة — التتويج السياسي: أغسطس 2020، حفل البيت الأبيض، سبعمائة ضيف، وجاريد كوشنر يُعلن عن "اتفاقيات إبراهيم." رجل أعمال عقارية من عائلة تتبرع للمستوطنات الإسرائيلية أصبح الناطق الرسمي باسم النبي إبراهيم في القرن الحادي والعشرين.
ما الذي يجمع بين إبراهيم الخليل الذي أُلقي في النار دفاعاً عن التوحيد وبين اتفاقية تُطبّع الاحتلال بلا أي ثمن سياسي للفلسطينيين؟ لا شيء سوى الاسم. واسمٌ مُنتزعٌ من سياقه ليُعطي شرعيةً لما لا شرعية له — هذا هو الاختطاف بأبهى صوره.
رابعاً: الفروق الثلاثة الجوهرية
بين إبراهيم القرآن وإبراهيم السياسة ثلاثة فوارق جوهرية لا تقبل المساومة:
الفارق الأول — التوحيد: إبراهيم القرآن داعية التوحيد الخالص الذي يرفض كل مساواة بين الحق والباطل. المشروع الإبراهيمي يُقدّم إسلاماً ويهوديةً ومسيحيةً متساوية، وهذه المساواة هي نقيض ما دعا إليه إبراهيم.
الفارق الثاني — الانتماء: القرآن يُحدّد من هم الأولى بإبراهيم: الذين اتّبعوا منهجه في التوحيد والعدل. أما المشروع الإبراهيمي فيُساوي في الأولوية بين المسلم وبين الصهيوني المحتل.
الفارق الثالث — الهدف: إبراهيم بنى الكعبة لله داعياً الناس إلى التوحيد. المشروع الإبراهيمي يبني "بيت العائلة" في أبوظبي ليُسوّي المسجد بالكنيس اليهودي ويُهيّئ القبول بتهويد القدس.
خاتمة: إبراهيم لا يُعار ولا يُؤجَّر
يبقى الدرس الأعمق الذي يُقدّمه الفصل الأول من هذا الكتاب هو أن الاختطاف الناجح يحتاج دائماً إلى تواطؤ الضحية. حين يقبل المسلم مصطلح "الأخوة الإبراهيمية" دون تمحيص، ويتعامل مع إبراهيم بوصفه "جامعاً للأديان" بدلاً من كونه "داعية التوحيد" — يكون قد أسهم دون إدراك في استعارة يُستعمل فيها اسم نبيّه سلاحاً ضد قضيته.
إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أكبر من أن يُختزل في وثيقة. كسّر الأصنام ولم يُصالحها، وقفز في النار ولم يتراجع، وبنى الكعبة لله لا لاتفاقية. وحين يُستدعى اسمه ليُزيّن تطبيعاً يُصفّي حق شعب — يكون الاختطاف قد اكتمل.
والجواب الوحيد الذي لا يتقادم: أن نعرف إبراهيمنا من القرآن لا من كوشنر، ومن الآية الكريمة لا من إعلان البيت الأبيض.
























