هشام بيومي يكتب: مفاوضات على فوهة بركان: تحليل المشهد التفاوضي بين أمريكا وإيران وموقف إسرائيل


بعد قرابة شهرين من حرب استنزفت فيها الأطراف قواها العسكرية والاقتصادية دون أن يحسم أي طرف المعركة لصالحه، يجلس الأمريكيون والإيرانيون إلى طاولة مفاوضات غير مباشرة تحمل في طياتها شروطًا تبدو للوهلة الأولى وكأنها من كوكبين مختلفين. الفجوة الشاسعة بين البندين الأول والثاني في كلتا الخطتين لا تعكس مجرد خلاف في الرؤية، بل تكشف عن طبيعة الصراع الوجودي الدائر في المنطقة. فيما يلي تحليل مفصل لبنود الخطتين، وسيناريوهات ما قد تسفر عنه المفاوضات، وموقف إسرائيل التي ترقب المشهد بقلق بالغ.
تحليل مقارن لبنود الخطتين
الخطة الأمريكية: نزع كامل للأنياب الإيرانية
تكشف البنود 4، 6، 7، 8 من الخطة الأمريكية عن هدف استراتيجي واضح: إنهاء قدرة إيران على التحول إلى دولة نووية ، وتفكيك البنية التحتية التي استثمرت فيها طهران عقودًا . أما البنود 2، 3، 10، 11 فتستهدف الأذرع العسكرية للنظام، سواء الصواريخ الباليستية التي تمثل عمقها الاستراتيجي أو الجماعات الوكيلة التي تشكل درعها الإقليمي. في المقابل، تقدم واشنطن "جزرًا" محدودة مثل رفع العقوبات (بند 13) والمساعدة النووية المدنية (بند 14)، وهي امتيازات مشروطة بتحول إيران إلى دولة "طبيعية" وفق المعايير الأمريكية.
الخطة الإيرانية: الاعتراف بالهيمنة الإقليمية الجديدة
في المقابل، تتحرك البنود الإيرانية من منطلق المنتصر الذي صمد في وجه العاصفة. بند "تحصيل الرسوم من مضيق هرمز" (بند 10) هو الأخطر، فهو يعكس مكسبًا استراتيجيًا فرضته طهران خلال الحرب عبر إغلاقها الفعلي للممر المائي الحيوي . هذا البند - إلى جانب المطالبة بـ "انسحاب القوات الأمريكية" (بند 7) و"التعويضات" (بند 6) - يرسم صورة لشرق أوسط جديد تعترف فيه أمريكا بهيمنة إيران على الخليج مقابل إنهاء الحرب. أما الإصرار على "الحق في التخصيب" (بند 8) فهو خط أحمر تدرك طهران أن التنازل عنه يعني فقدان أي أوراق ضغط مستقبلية.
معادلة التفاوض المختلة: لماذا يصعب الجمع بين الخطتين؟
يتمحور جوهر الأزمة التفاوضية حول فجوة الثقة والتباين في تقييم موازين القوى بعد الحرب. فشلت أمريكا وإسرائيل، كما تشير التحليلات، في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب مثل إنهاء البرنامج النووي أو إسقاط النظام . هذا "الفشل الاستراتيجي" منح إيران ثقة مفرطة جعلتها تضع شروطًا تُوصف بأنها "تعجيزية"، مثل فرض واقع جديد في هرمز . واشنطن تريد إنهاء الحرب بتفكيك التهديد، بينما تريد طهران إنهاءها بتثبيت مكاسبها والاعتراف بها. هذا التضاد يجعل أي اتفاق شامل أقرب إلى المستحيل في المدى المنظور، وما يحدث حاليًا هو إدارة للأزمة أكثر منه حلحلة جذرية.
ماذا بعد شهرين من الحرب؟ قراءة في النتائج الميدانية
لفهم مسار المفاوضات، يجب فهم نتائج الحرب نفسها:
· إيران: لم تنهر عسكريًا، واحتفظت بقدرتها على إطلاق الصواريخ واستهداف العمق الإسرائيلي وقواعد الخليج، والأهم أنها أثبتت قدرتها على إغلاق هرمز وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية .
· أمريكا: وجدت نفسها في مستنقع مكلف اقتصاديًا (ارتفاع قياسي لأسعار النفط) وسياسيًا (انقسام داخلي حاد حول جدوى الحرب) ، دون أن تنجح في توجيه ضربة قاضية.
· الخليج: كان الطرف الأكثر تضررًا، حيث تحولت مدنه وبناه التحتية إلى أهداف صواريخ ومسيّرات، مما كشف هشاشة مظلته الأمنية .
هذه المعطيات تمنح إيران أفضلية نسبية في المفاوضات، فبينما تبحث أمريكا عن "مخرج مشرف"، تبحث طهران عن "تتويج انتصارها".
السيناريوهات المتوقعة للمفاوضات المرتقبة
بناءً على التحليل السابق، يمكن استخلاص ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: صفقة "الجميع رابحون" الشكلية (الأكثر ترجيحًا)
لن يصل الطرفان إلى اتفاق شامل، بل إلى "تفاهمات" فضفاضة تسمح لكل منهما بإعلان النصر. ستوافق إيران على تعليق التخصيب عالي المستوى (60% فما فوق) وإبداء مرونة في تفتيش بعض المواقع مقابل رفع جزئي للعقوبات وتجميد آلية "سناب باك". فيما يتعلق بهرمز، قد يتم التوصل إلى صيغة ملتوية تسمح لإيران بتحصيل "رسوم تأمين" تحت غطاء دولي. هذا السيناريو يمنح ترامب ما يريده حاليًا: تهدئة الأسواق وإعلان "النصر" في الداخل ، بينما يمنح إيران شرعنة ضمنية لدورها الإقليمي.
السيناريو الثاني: انهيار المفاوضات والعودة للحرب
إذا أصرت واشنطن تحت ضغط إسرائيلي على بند "تسليم اليورانيوم المخصب" و"تفكيك فوردو" كشرط مسبق، ستفشل المفاوضات حتمًا. لا يمكن لإيران، في ظل شعورها بالانتصار، أن تقبل بما يشبه الاستسلام. هذا السيناريو سيدفع نحو جولة جديدة من التصعيد قد تكون أوسع وأكثر تدميرًا.
السيناريو الثالث: الصفقة الكبرى المستبعدة
وهو السيناريو الذي ترفضه طهران حاليًا، والقاضي بتفكيك القدرات النووية والصاروخية مقابل اندماج كامل في الاقتصاد العالمي. تدرك القيادة الإيرانية أن قبول هكذا شروط في هذا التوقيت سيعني أن دماء شهدائها وسنوات الاستثمار الاستراتيجي ذهبت سدى، وسيُقرأ في الداخل كخيانة للثوابت.
إسرائيل: المراقب القلق الذي قد يحرق الطاولة
تل أبيب ليست مجرد مراقب في هذه المفاوضات، بل هي الطرف الأكثر تشككًا ورفضًا لأي تفاهمات لا تقضي نهائيًا على قدرات إيران. تصريحات المسؤولين الإسرائيليين ووسائل إعلامهم تكشف عن قلق عميق من أن أي "تفاهمات" بين واشنطن وطهران ستُقيد يد إسرائيل وتمنعها من توجيه ضربة عسكرية منفردة في المستقبل . تعلم إسرائيل أن وقف إطلاق النار بدون تفكيك نووي كامل يمنح طهران شرعية دولية ويمنح برنامجها النووي حصانة.
نتنياهو، الذي يراهن على حسم عسكري يُضعف إيران لعقود، يجد نفسه أمام رئيس أمريكي (ترامب) يبحث عن مخرج سريع بأي ثمن . الفجوة بين تل أبيب وواشنطن تتسع: فبينما تريد واشنطن "إنهاء الحرب"، تريد تل أبيب "إنهاء إيران". إذا شعرت إسرائيل أن الاتفاق المرتقب لا يلبي خطوطها الحمراء (وهي تحديدًا تسليم المخزون المخصب ووقف التخصيب للأبد)، فقد تلجأ إلى خيارات عسكرية أحادية لإفشال أي تفاهمات قبل توقيعها أو لفرض واقع جديد على الأرض.
خلاصة: هدنة هشة على أنقاض الأهداف المعلنة
بعد كل هذه المعطيات، يمكن القول إن المفاوضات المرتقبة لن تنتج اتفاقًا تاريخيًا بقدر ما ستنتج هدنة طويلة الأمد على الطراز الكوري. ستبقى إيران قوة نووية على العتبة مع ترسانة صاروخية ضخمة، وستحتفظ بنفوذها الإقليمي، بينما ستحاول أمريكا تسويق وقف التصعيد على أنه انتصار دبلوماسي لإنقاذ الاقتصاد العالمي. أما إسرائيل، فستكون بمثابة القوة التي تنتظر اللحظة المناسبة لتفجير هذا الواقع الهش، مما يعني أن الحرب الحالية قد تكون مجرد جولة في صراع طويل وممتد.
























