الثلاثاء، 28 يوليو 2026 06:35 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: المنفى باعتباره إرادة إلهية

بوابة المصريين

لماذا اعتبر الفكر الحاخامي التقليدي أن الشتات ليس عقوبة فحسب، بل مرحلة يجب عدم إنهائها بالقوة؟

هناك فرقٌ كبير بين أن تعتبر المنفى هزيمة، وأن تعتبره قدرًا.

فالهزيمة تدفع أصحابها إلى البحث عن طريق للعودة، أما القدر فيدفعهم إلى البحث عن معنى للصبر. ومن هنا بدأ التحول الأكبر في الفكر الحاخامي بعد سقوط أورشليم وخراب الهيكل الثاني.

لقد فقد اليهود دولتهم، وانتهت مملكتهم، وتبدد مركزهم الديني والسياسي. ولم يعد السؤال: كيف نستعيد الوطن؟ بل أصبح: كيف نحافظ على الأمة بلا وطن؟

وكانت الإجابة التي صاغها العقل الحاخامي واحدة من أكثر الإجابات تأثيرًا في التاريخ اليهودي: المنفى ليس مجرد عقوبة، بل مرحلة من التدبير الإلهي، ولا يجوز إنهاؤها بإرادة الإنسان قبل أن يحين موعد الخلاص الذي يحدده الله.

لم تكن هذه الفكرة وليدة لحظة واحدة، بل تبلورت عبر قرون من التأمل في النصوص المقدسة، والتجربة القاسية التي عاشها اليهود بعد خراب الهيكل. فقد رأى الحاخامات أن الكوارث التي حلت باليهود لم تكن انتصارًا للرومان بقدر ما كانت نتيجة لابتعاد الشعب عن العهد الإلهي. ومن ثم، فإن العودة إلى الأرض لا تتحقق بمجرد امتلاك القوة العسكرية، بل تبدأ أولًا بالعودة إلى الله.

ومن هنا اكتسبت "القسمات الثلاث" معناها الحقيقي.

فالقسم الأول، الذي ينهى بني إسرائيل عن الصعود الجماعي إلى الأرض بالقوة، لم يكن في نظر الحاخامات موقفًا سياسيًا، بل إعلانًا لقاعدة لاهوتية: الخلاص عطية إلهية، وليس مشروعًا بشريًا.

أما القسم الثاني، الذي ينهى عن التمرد على الأمم، فقد كان محاولة لحماية الجماعات اليهودية المنتشرة في الإمبراطوريات المختلفة من مغامرات قد تؤدي إلى إبادة جديدة. ولم يكن هذا الموقف دعوة إلى الاستسلام المطلق، بقدر ما كان تعبيرًا عن قناعة بأن الحفاظ على بقاء الأمة أولى من السعي إلى استعادة الدولة في غير أوانها.

ولم يكن هذا التصور مجرد تنظير ديني، بل عززته التجربة التاريخية نفسها.

فقد تركت ثورة بار كوخبا في القرن الثاني الميلادي أثرًا عميقًا في الوعي اليهودي. انتهت الثورة بهزيمة ساحقة، ودُمِّرت التجمعات اليهودية في فلسطين، واتخذت السلطات الرومانية إجراءات قاسية غيّرت وجه المنطقة. وأصبحت تلك التجربة، في الذاكرة الحاخامية، دليلًا على أن محاولة فرض الخلاص بالقوة قد تقود إلى كارثة أكبر من المنفى نفسه.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد الشتات يُنظر إليه بوصفه مجرد نفي جغرافي، بل باعتباره حالة روحية وتاريخية يعيشها الشعب حتى يأذن الله بانتهائها.

ولذلك نشأت ثقافة كاملة حول الانتظار.

لم يكن انتظارًا سلبيًا يخلو من العمل، بل انتظارًا يقوم على حفظ الشريعة، وبناء الأسرة، وإنشاء المدارس الدينية، وصيانة الهوية اليهودية وسط شعوب متعددة. لقد أصبحت دراسة التوراة، والالتزام بالأحكام الدينية، والمحافظة على الذاكرة الجماعية، هي الوسائل التي تحمي الأمة حتى يحين زمن الخلاص.

وهكذا انتقل مركز الثقل من الأرض إلى النص، ومن الدولة إلى الشريعة، ومن الملك إلى الحاخام.

وهذا يفسر كيف استطاعت الجماعات اليهودية أن تحافظ على تماسكها عبر قرون طويلة، رغم أنها كانت تعيش في بيئات وثقافات وأنظمة سياسية مختلفة.

غير أن هذه الرؤية لم تكن تعني أن المنفى غاية في ذاته، أو أن العودة إلى أرض المعاد فقدت قيمتها الدينية. بل ظل الأمل بالعودة حاضرًا في الصلوات والأعياد والوجدان اليهودي، لكن الفارق كان في الوسيلة.

فالعودة، وفق الفكر الحاخامي التقليدي، ليست ثمرة قرار سياسي، ولا نتيجة حملة عسكرية، وإنما هي حدث مسياني يقع عندما تتوافق إرادة السماء مع حركة التاريخ.

ومن هنا اكتسبت عبارة «حتى يشاء» الواردة في نشيد الأنشاد معناها العميق.

فهي لم تعد مجرد نهاية لقصيدة حب، بل أصبحت رمزًا لفلسفة كاملة ترى أن الزمن المقدس لا يخضع لإرادة البشر، وأن استعجال الوعد الإلهي قد يكون خروجًا على الإرادة الإلهية نفسها.

ولذلك ظل جمهور اليهود، عبر قرون طويلة، يتقبل حياة الشتات لا حبًا في المنفى، ولا يأسًا من العودة، وإنما إيمانًا بأن الصبر نفسه جزء من الطاعة، وأن انتظار الخلاص عبادة لا تقل قداسة عن السعي إليه.

لكن التاريخ، كما يحدث دائمًا، لم يبق ساكنًا.

فعندما ظهرت الحركة الصهيونية في أوروبا في القرن التاسع عشر، لم تكتفِ باقتراح وسيلة جديدة للعودة، بل أعادت تعريف المنفى نفسه. فما اعتبره الحاخامات مرحلة من التدبير الإلهي، اعتبرته الصهيونية وضعًا سياسيًا شاذًا يجب إنهاؤه بإرادة الإنسان.

وهنا بدأ الصدام الأكبر بين عقيدة الانتظار، وفلسفة الفعل؛ بين الخلاص الذي ينزل من السماء، والخلاص الذي تصنعه الدولة.

ومن هذه اللحظة تبدأ المرحلة التالية من رحلتنا، في المقال الرابع:

«الصهيونية في مواجهة التلمود»... حين وقف المشروع القومي الحديث أمام تفسيرٍ ديني عاش في الوعي اليهودي قرونًا، وأعلن أن زمن الانتظار قد انتهى.

مقالات الرأي

آخر الأخبار