الثلاثاء، 4 أغسطس 2026 02:29 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: الصهيونية في مواجهة التلمود

بوابة المصريين

حين وقف المشروع القومي الحديث أمام التفسير الديني

لا تبدأ الثورات دائمًا بإسقاط الحكومات.

فبعض الثورات تبدأ بإسقاط تفسيرٍ عاش قرونًا.

وهذا بالضبط ما فعلته الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر. فلم تكن ثورتها موجهة إلى القوى الأوروبية وحدها، ولا إلى واقع الشتات اليهودي فحسب، بل كانت موجهة أيضًا إلى أحد أكثر التفسيرات رسوخًا في الوعي الحاخامي: أن المنفى قدرٌ إلهي لا يجوز إنهاؤه بالقوة، وأن الخلاص وعدٌ سماوي لا يصنعه الإنسان.

ولذلك، فإن الصدام الأول الذي واجه الصهيونية لم يكن مع العرب، ولا مع الدولة العثمانية، ولا مع القوى الدولية، بل كان داخل البيت اليهودي نفسه.

لقد وجدت الحركة الصهيونية أمامها تراثًا امتد قرابة ألفي عام، يقوم على انتظار الماشيح، ويرى في "القسمات الثلاث" قيدًا دينيًا يمنع إقامة دولة يهودية قبل أوانها.

لكن أوروبا في القرن التاسع عشر لم تكن هي أوروبا التي عرفها واضعو التلمود.

كانت القومية قد أصبحت اللغة الجديدة للتاريخ. توحدت دول، وسقطت إمبراطوريات، وبدأت الشعوب تبحث عن هويتها السياسية في إطار الدولة القومية. وفي هذا المناخ نشأت الصهيونية، لا باعتبارها حركة دينية في المقام الأول، بل باعتبارها مشروعًا قوميًّا حديثًا يسعى إلى حل ما عُرف آنذاك بـ«المسألة اليهودية».

كان السؤال الذي طرحته الصهيونية مختلفًا جذريًا عن السؤال الحاخامي.

فالحاخامات كانوا يسألون:

متى يشاء الله أن يعود شعبه؟

أما الصهاينة فسألوا:

متى نقرر نحن أن نعود؟

قد يبدو الفرق بين السؤالين بسيطًا، لكنه في الحقيقة يعكس انتقالًا كاملًا من لاهوت الانتظار إلى سياسة الفعل.

لم تعد العودة حدثًا سماويًا ينتظره المؤمنون، بل مشروعًا سياسيًا يصنعه البشر، ويُخطط له، ويُموَّل، ويُنفَّذ.

وهنا بدأ التحدي الحقيقي أمام التفسير التقليدي للقسمات الثلاث.

فبدلًا من رفض النص، سلك كثير من المفكرين الصهاينة طريقًا آخر؛ إذ سعوا إلى إعادة تعريف مكانته. فمنهم من رأى أن القسمات الثلاث تمثل موعظة أخلاقية لا حكمًا ملزمًا، ومنهم من اعتبرها من نصوص الوعظ (أغادا) لا من الأحكام الفقهية الملزمة (هلاخا)، ومنهم من قال إن الظروف التاريخية التي قيلت فيها لم تعد قائمة، ومن ثم لا يجوز تطبيقها على واقع جديد.

وفي المقابل، تمسك قطاع من الحاخامات بالتفسير التقليدي، ورأوا أن المشروع الصهيوني لا يغير الواقع فحسب، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والله.

فإذا كان الله قد جعل المنفى مرحلة من مراحل التاريخ المقدس، فكيف يجوز للإنسان أن يعلن انتهاءها بإرادته؟

وهكذا لم يعد الخلاف يدور حول قطعة أرض، بل حول مصدر الشرعية نفسه.

هل تُستمد الشرعية من الوعد الإلهي كما فسّره الحاخامات؟

أم من حق الشعب في تقرير مصيره وفق مفاهيم الدولة الحديثة؟

لقد كان هذا السؤال أعمق من أن يُحسم في مناظرة دينية، لأنه كان يعكس انتقال العالم اليهودي من عصر إلى عصر.

فالحاخام كان يرى التاريخ يتحرك من السماء إلى الأرض.

أما الصهيوني فكان يرى التاريخ يتحرك من الأرض إلى السماء؛ أي إن الفعل البشري نفسه قد يصبح الوسيلة التي يتحقق بها الوعد.

ومن هنا ظهر اتجاه داخل الفكر الديني اليهودي حاول التوفيق بين الرؤيتين، فذهب بعض الحاخامات إلى أن عودة اليهود إلى أرض إسرائيل يمكن أن تُفهم باعتبارها بداية الخلاص، وأن النشاط السياسي لا يناقض الإرادة الإلهية، بل قد يكون أداة لتحقيقها.

وفي المقابل، رفضت مدارس حاخامية أخرى هذا المنطق رفضًا قاطعًا، وعدّته انقلابًا على جوهر العقيدة التي استقرت قرونًا، مؤكدة أن أي دولة تُقام قبل مجيء الماشيح تفتقر إلى الشرعية الدينية مهما بلغت قوتها السياسية.

ومن هنا انقسم العالم اليهودي إلى تيارات متباينة، لم يكن اختلافها حول حدود الدولة أو شكل الحكومة، بل حول سؤال أكثر عمقًا:

هل يملك الإنسان أن يستبق الزمن الإلهي؟

لقد نقلت الصهيونية مركز القرار من انتظار السماء إلى إرادة الإنسان، ومن الصبر على التاريخ إلى صناعة التاريخ.

وهذا هو جوهر الثورة التي أحدثتها.

ولذلك، فإن المواجهة بين الصهيونية والتلمود لم تكن حربًا بين الدين والسياسة بالمعنى التقليدي، بل كانت صراعًا بين قراءتين للتاريخ نفسه.

قراءة ترى أن الوعد الإلهي يتحقق عندما يعلن الله ساعة الخلاص.

وقراءة ترى أن الله منح الإنسان العقل والإرادة ليصبح شريكًا في تحقيق الوعد.

وبغض النظر عن الموقف من أي من هاتين الرؤيتين، فإن المؤكد أن هذا التحول غيّر وجه التاريخ اليهودي الحديث، وأعاد رسم العلاقة بين النص المقدس والقرار السياسي، بين الحاخام ورجل الدولة، وبين الانتظار والمبادرة.

ومن هنا تبدأ المرحلة التالية من هذه السلسلة.

فإذا كانت الصهيونية قد أعلنت أن زمن الانتظار انتهى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف ردّ الحاخامات الذين ظلوا متمسكين بالقسمات الثلاث؟ ولماذا اعتبر بعضهم أن قيام الدولة قبل مجيء الماشيح ليس انتصارًا للوعد، بل خروجًا عليه؟

ذلك هو موضوع المقال الخامس:

«الحاخامات الذين قالوا: لا للدولة»... قراءة في المدارس الدينية التي رفضت المشروع الصهيوني من داخل المرجعية اليهودية نفسها، وتمسكت بأن الشرعية الدينية لا تُستمد من نجاح المشروع السياسي، بل من موافقته للنص كما فهمه التقليد الحاخامي.

مقالات الرأي

آخر الأخبار