السبت، 12 سبتمبر 2026 11:07 مـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: حين يدخل النص إلى أرض المعركة

بوابة المصريين

مقدمة: من الوعي بالنص إلى الوعي بالصراع

قد يبدو للقارئ أن الحديث عن «القسمات الثلاث» في التلمود، والخلاف بين الحاخامات حول المنفى والخلاص والدولة، شأن ديني يخص اليهود وحدهم، وأن لا علاقة له بمصر أو بأمنها القومي أو بمستقبل مجتمعاتنا العربية.

لكن هذه النظرة، في تقديري، تفوّت جانبًا بالغ الأهمية من طبيعة الصراعات الحديثة.

فالصراع في عالم اليوم لم يعد يدور بالسلاح وحده.

هناك صراع على الأرض، وصراع على الذاكرة، وصراع على الهوية، وصراع على الوعي.

ومن لا يفهم أفكار الطرف الآخر، وتاريخه، ومصادر شرعيته، والانقسامات التي تجري داخله، قد يجد نفسه أمام نتائج سياسية واجتماعية لا يفهم كيف بدأت.

ولهذا فإن دراسة الصراع اليهودي الداخلي ليست انحيازًا إلى طرف ضد طرف، وليست محاولة للبحث عن «عدو يهودي» داخل المجتمع اليهودي، وإنما هي جزء من فهم الواقع كما هو.

فاليهودية ليست كتلة واحدة، والصهيونية ليست تيارًا واحدًا، والمجتمع الإسرائيلي نفسه ليس عقلًا واحدًا.

هناك علمانيون ومتدينون، حريديم وصهيونيون دينيون، تيارات قومية ويسارية، ومناهضون للصهيونية، ومدارس حاخامية تختلف جذريًا في تفسيرها لعلاقة اليهود بالأرض والدولة والخلاص.

وفهم هذه التناقضات ليس ترفًا فكريًا.

إنه جزء من الوعي السياسي.

فكيف يمكن أن نفهم الصراع على فلسطين إذا لم نفهم أن هناك داخل الفكر اليهودي نفسه خلافًا تاريخيًا حول سؤال الدولة؟

وكيف نفهم بعض مواقف المجتمع الإسرائيلي إذا لم نعرف أن هناك من يرى الدولة تحقيقًا لمسار خلاصي، ومن يراها مشروعًا قوميًّا حديثًا، ومن يرى قيامها قبل مجيء الماشيح مخالفةً للتقليد الديني؟

إن معرفة هذه الخريطة لا تعني تبني أي منها.

بل تعني أن نمتلك القدرة على قراءة المشهد بدل أن نكتفي بمشاهدة نتائجه.

لكن لماذا يهم ذلك مصر؟

لأن مصر ليست جزيرة معزولة عن محيطها.

مصر دولة محورية في المنطقة، وموقعها الجغرافي والسياسي يجعل أمنها مرتبطًا بما يحدث حولها، من فلسطين إلى البحر الأحمر، ومن شرق المتوسط إلى الخليج.

والأمن القومي لا يعني فقط حماية الحدود.

الأمن القومي يعني أيضًا حماية المجتمع نفسه.

حماية الإنسان.

حماية الشباب.

حماية الوعي.

حماية الاقتصاد.

وحماية الموارد البشرية التي تمثل الثروة الحقيقية لأي وطن.

وهنا نصل إلى نقطة قد تبدو بعيدة عن موضوع «القسمات الثلاث»، لكنها في الحقيقة شديدة الصلة به:

المجتمعات لا تُهزم دائمًا عندما تُخترق حدودها؛ أحيانًا تبدأ الهزيمة عندما يُستنزف الإنسان من الداخل.

المخدرات، والجريمة المنظمة، والتطرف، والتفكك الأسري، والاستقطاب، وفقدان الثقة، وتزييف الوعي، كلها ليست قضايا منفصلة عن مفهوم الأمن القومي.

إنها، في لحظة معينة، تصبح جزءًا منه.

ولذلك فإن القضية الأخيرة التي شغلت الرأي العام المصري حول الإعلامية سارة خليفة يجب ألا تُقرأ فقط باعتبارها قضية جنائية تخص أشخاصًا متهمين أو مدانين أمام القضاء.

فبحسب ما أعلنته السلطات وتناقلته مصادر صحفية، القضية تتعلق بتشكيل إجرامي منظم لتوفير مواد تستخدم في تصنيع المخدرات والاتجار بها، مع ضبط أكثر من 750 كيلوغرامًا من المخدرات والمواد الخام، وصدر حكم بالإعدام بحق سارة خليفة و11 متهمًا آخرين، بينما صدرت أحكام أخرى بحق متهمين آخرين، ولا يزال الحكم قابلًا للطعن.

هذه الوقائع — بصرف النظر عن الموقف من العقوبة أو عن تفاصيل القضية التي ستظل خاضعة لمسارها القضائي — تطرح سؤالًا أكبر:

كيف يمكن لشبكات الجريمة المنظمة أن تستهدف المجتمع من الداخل؟

وهذا السؤال أخطر من أسماء الأشخاص.

لأن الإنسان المصري ليس مجرد مواطن يعيش داخل حدود الدولة.

إنه المورد البشري الذي تقوم عليه الدولة كلها.

حين يُستهدف شاب بالمخدرات، لا نخسر فردًا فقط.

نخسر طالبًا كان يمكن أن يصبح عالمًا.

وعاملًا كان يمكن أن يصبح منتجًا.

وجنديًا كان يمكن أن يدافع عن وطنه.

ومهندسًا كان يمكن أن يبني.

وطبيبًا كان يمكن أن ينقذ حياة.

ومعلمًا كان يمكن أن يصنع أجيالًا.

إن أخطر ما تفعله المخدرات ليس أنها تقتل أجسادًا فقط.

إنها تستنزف قدرة المجتمع على إنتاج المستقبل.

وهنا يصبح الوعي جزءًا من الدفاع.

ولكن الوعي لا يعني صناعة المؤامرة

وفي هذا السياق تحديدًا يجب أن نكون أكثر حذرًا، لا أقل.

فحين تظهر قضية ذات أبعاد جنائية كبيرة، أو تتكشف شبكة لها امتدادات خارجية، فإن السؤال عن الجهات المستفيدة أو مصادر التمويل أو مسارات المواد أو العلاقات الدولية يصبح سؤالًا مشروعًا للتحقيق.

لكن الفرق كبير بين:

أن نسأل: من يقف خلف الشبكة؟

وبين:

أن نقرر مسبقًا من يقف خلفها دون دليل.

الدولة الحديثة لا تحارب الجريمة بالشائعات.

تحاربها بالتحقيقات، والأدلة، وأجهزة إنفاذ القانون، والقضاء، والتعاون الدولي.

وهذا في حد ذاته جزء من حماية الجبهة الداخلية.

الوعي هو خط الدفاع الأول

ومن هنا تأتي أهمية أن نفهم الصراعات من جذورها.

فحين نقرأ عن «القسمات الثلاث»، نحن لا ندرس نصًا تلموديًا لمجرد المعرفة الدينية.

نحن نحاول أن نفهم كيف يمكن لفكرة دينية أن تؤثر في تصور شعب لهويته، وأرضه، وتاريخه، وخلاصه.

وحين ندرس الخلاف بين الحاخامات حول الدولة، فنحن لا نبحث عن مادة للخصومة.

بل نكتشف أن المجتمع الذي يبدو لنا أحيانًا كتلة واحدة، هو في الحقيقة مجتمع متعدد الاتجاهات والتصورات.

وحين ندرس الصهيونية، فنحن لا نكتفي بشعارها السياسي، بل نبحث في جذورها وتحولاتها والتيارات التي صنعتها.

وحين نقرأ التاريخ الفلسطيني، فإننا لا نبحث عن رواية تلغي الرواية الأخرى، بل نحاول أن نفهم كيف أصبح شعبان يحملان ذاكرتين متعارضتين فوق أرض واحدة.

هذا كله اسمه:

الوعي.

والوعي ليس كراهية للآخر.

بل القدرة على فهم الآخر دون أن نفقد القدرة على فهم أنفسنا.

مصر تحتاج إلى هذا النوع من الوعي

مصر اليوم لا تحتاج إلى خطاب يزرع الخوف في الناس.

ولا تحتاج إلى خطاب ينكر المخاطر.

تحتاج إلى شيء أصعب:

وعي هادئ، عميق، ودقيق.

وعي يعرف أن هناك صراعات حقيقية.

ويعرف في الوقت نفسه أن ليس كل ما يُقال عنها حقيقة.

وعي يدرك أن هناك مخاطر خارجية.

ويعرف أيضًا أن أقوى وسيلة لمواجهتها هي بناء مجتمع متماسك من الداخل.

وعي يدرك أن المخدرات ليست مجرد جريمة.

وأن تدمير الشباب ليس مجرد انحراف فردي.

وأن ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ليس مجرد خلاف عابر.

وأن إضعاف التعليم والثقافة والإنتاج والعلم هو في النهاية إضعاف للأمن القومي نفسه.

ولهذا فإن حماية الجبهة الداخلية تبدأ من حماية الإنسان.

وتبدأ حماية الإنسان من حماية عقله.

وهنا نعود إلى «القسمات الثلاث».

فربما يبدو أننا ابتعدنا كثيرًا عن نشيد الأنشاد والتلمود والحاخامات.

لكننا في الحقيقة اقتربنا من السؤال الأساسي الذي يحكم هذه السلسلة كلها:

كيف تتحول الأفكار إلى قوة؟

وكيف تنتقل الفكرة من كتاب إلى عقيدة؟

ومن عقيدة إلى هوية؟

ومن هوية إلى مشروع سياسي؟

ومن مشروع سياسي إلى دولة؟

ثم كيف تصبح الدولة نفسها طرفًا في صراع على الأرض والذاكرة والشرعية؟

هذا هو موضوع مقالنا اليوم:

حين يدخل النص إلى أرض المعركة

لأن الصراع الحقيقي لا يبدأ دائمًا عندما تُطلق الرصاصة الأولى.

أحيانًا يبدأ قبل ذلك بكثير...

عندما ينجح طرف في إقناع الإنسان بأن روايته هي الحقيقة الوحيدة، وأن الآخر لا حق له في روايته، وأن التاريخ لا يحتمل إلا منتصرًا واحدًا.

وهنا يصبح الوعي ليس رفاهية ثقافية.

بل يصبح جزءًا من الدفاع عن الوطن.

عن الإنسان.

عن الذاكرة.

وعن المستقبل.


كيف تحولت «القسمات الثلاث» من قضية لاهوتية إلى أداة في الصراع على فلسطين؟

هناك لحظة خطيرة في حياة النصوص المقدسة.

إنها اللحظة التي تغادر فيها صفحات الكتب، وتدخل إلى خرائط الدول.

حينها لا يعود السؤال:

ماذا يعني النص؟

بل يصبح:

ماذا نستطيع أن نفعل بهذا المعنى؟

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر حساسية في رحلة «القسمات الثلاث».

فالنص الذي ظهر في التلمود في سياق تأملات حاخامية حول المنفى والخلاص، لم يكن يتحدث عن فلسطين الحديثة، ولا عن الصهيونية، ولا عن دولة ذات جيش وحدود، ولا عن نزاع قومي بين شعبين.

لكن التاريخ وضع هذا النص أمام كل هذه الأسئلة دفعة واحدة.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت الكلمات القديمة تتحول إلى مادة سياسية.

من المنفى إلى فلسطين

في عالم المنفى، كانت «القسمات الثلاث» تؤدي وظيفة مختلفة تمامًا.

كانت تفسر لماذا لم يعد اليهود إلى أرض إسرائيل بالقوة.

وتفسر لماذا ينبغي ألا تتحول الجماعة اليهودية إلى حركة تمرد على السلطات التي تعيش تحت حكمها.

وتحمل، في المقابل، تحذيرًا للأمم من أن يتحول وجود اليهود بينهم إلى ذريعة للاضطهاد.

كان النص إذن جزءًا من نظام فكري يحاول إدارة علاقة جماعة بلا دولة بالعالم الذي يحيط بها.

لكن ظهور الحركة الصهيونية غيّر المعادلة.

فقد أصبح هناك مشروع يريد تحويل اليهود من جماعة مشتتة إلى أمة ذات مركز سياسي.

وهنا دخلت «القسمات الثلاث» إلى ساحة لم تُكتب من أجلها أصلًا.

حين يصبح السؤال: من يملك الأرض؟

الصهيونية لم تكن مجرد إعادة قراءة لنصوص دينية.

كانت مشروعًا سياسيًا نشأ في عصر القومية الحديثة.

لكن فلسطين لم تكن أرضًا خالية تنتظر من يملأها.

كانت مجتمعًا يعيش على الأرض، وله سكانه ومدنه وقراه وذاكرته وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية.

ولهذا فإن المشروع الصهيوني، منذ تحوله إلى مشروع سياسي واستيطاني، دخل بالضرورة في علاقة مع سكان فلسطين العرب.

وهنا تغير السؤال.

لم يعد:

هل يجوز لليهود أن يعودوا؟

بل:

ماذا يحدث عندما تؤدي عودة جماعة إلى اصطدامها بحقوق جماعة أخرى؟

وهذا السؤال لا يستطيع التلمود وحده أن يحسمه.

لأننا أصبحنا أمام قضية سياسية حديثة، تتعلق بالهجرة والأرض والسيادة والقومية.

النص لا يملك خريطة

هذه واحدة من أهم النقاط التي ينبغي تثبيتها.

حتى عندما يستند شخص إلى نص ديني لإثبات حق تاريخي، فإن النص لا يقدم بالضرورة إجابة عن جميع الأسئلة السياسية التي جاءت بعده.

يمكن للنص أن يمنح جماعة معنى لهويتها.

يمكن أن يربطها بأرض.

يمكن أن يحفظ ذاكرتها.

لكن تحويل ذلك المعنى إلى سيادة سياسية يحتاج إلى حجة أخرى.

فالدولة الحديثة تقوم على مفاهيم مثل المواطنة والقانون والسيادة والحدود والعلاقات الدولية.

وهنا يظهر الفرق بين:

الحق الديني في الذاكرة

و

الحق السياسي في السيادة.

قد يتداخلان، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا.

القسمات الثلاث في مواجهة الصهيونية

لهذا السبب أصبحت «القسمات الثلاث» واحدة من الأدوات التي استخدمها المعارضون الدينيون للصهيونية.

فهم لم يقولوا ببساطة:

نحن لا نريد دولة يهودية.

بل قالوا:

إن إنشاء دولة بالقوة قبل الخلاص يمثل تجاوزًا للحدود التي وضعها التقليد الحاخامي.

وبذلك تحولت القسمات الثلاث من تفسير للمنفى إلى حجة دينية ضد المشروع القومي.

وأصبح السؤال:

هل تستطيع الصهيونية أن تدعي أنها استمرار لليهودية، بينما يعترض عليها جزء من التقليد الحاخامي باسم اليهودية نفسها؟

كان هذا سؤالًا شديد الإحراج للمشروع الصهيوني، لأنه يضرب الفكرة من الداخل.

لكن الصهيونية لم تقف مكتوفة الأيدي

كان من الطبيعي أن تنتج الحركة الصهيونية ردًا فكريًا.

فإذا كان خصومها يقولون إن العودة السياسية تخالف الانتظار المسياني، كان لا بد من تفسير ديني بديل لمن يؤمن بالصهيونية.

ومن هنا تطورت الصهيونية الدينية.

لقد ظهرت قراءة تقول إن التاريخ لا يتحرك دائمًا عبر المعجزات.

أحيانًا يتحرك عبر البشر.

وأحيانًا قد يستخدم الله أشخاصًا لا يدركون أنهم يؤدون دورًا في مسار أكبر منهم.

ومن هنا أمكن النظر إلى الهجرة والاستيطان وبناء المؤسسات السياسية بوصفها خطوات يمكن أن تكون جزءًا من عملية الخلاص.

وهنا تحول النص من عائق إلى مادة لإعادة التأويل.

وهذه هي اللحظة التي تصبح فيها السياسة قادرة على إعادة ترتيب معنى النص.

من يفسر التاريخ؟

هنا نصل إلى قلب المشكلة.

المعارض الديني يقول:

النص يفسر التاريخ.

والصهيوني الديني قد يقول:

التاريخ يساعدنا على فهم النص.

أما السياسي العلماني فيقول:

لسنا بحاجة إلى النص أصلًا؛ يكفي حق الشعب في تقرير مصيره.

ثلاثة مواقف.

وثلاثة مصادر مختلفة للشرعية.

ولهذا لا يمكن فهم الجدل حول «القسمات الثلاث» باعتباره خلافًا فقهيًا بسيطًا.

إنه خلاف حول السؤال الأكبر:

من يملك سلطة تفسير التاريخ؟

عندما تصبح الذاكرة دليلًا سياسيًا

لم تكن الذاكرة اليهودية مجرد حكاية دينية.

كانت أيضًا ذاكرة اضطهاد.

طرد.

مذابح.

تمييز.

ومع تصاعد معاداة السامية في أوروبا، ثم وقوع الهولوكوست، اكتسبت فكرة الأمان اليهودي وزنًا تاريخيًا وأخلاقيًا هائلًا.

وهنا أصبح المشروع الصهيوني بالنسبة إلى كثير من اليهود أكثر من مشروع قومي.

أصبح بالنسبة إلى قطاعات واسعة منه مشروعًا للأمان.

وهذا التحول مهم جدًا.

لأن الخطاب السياسي لم يعد يعتمد فقط على الوعد الديني، بل أصبح يعتمد على التجربة التاريخية.

لم يعد يقول فقط:

هذه أرض وعد بها الله.

بل يقول أيضًا:

لقد أثبت التاريخ أن اليهود يحتاجون إلى دولة تحميهم.

وهنا أصبح النص الديني جزءًا من منظومة أكبر من الحجج.

لكن الذاكرة الفلسطينية دخلت المشهد

في المقابل، كانت هناك ذاكرة أخرى تتشكل.

ذاكرة الفلسطينيين.

التهجير.

فقدان الأرض.

النكبة.

القرى التي اختفت.

العائلات التي تفرقت.

واللاجئون الذين حملوا مفاتيح بيوتهم إلى أماكن لم تكن بيوتهم.

وهكذا أصبح الشرق الأوسط يعيش مأساة ذات ذاكرتين.

اليهود يحملون ذاكرة الاضطهاد.

والفلسطينيون يحملون ذاكرة الاقتلاع.

كل طرف يرى نفسه ضحية تاريخ طويل.

والمشكلة أن الذاكرة حين تتحول إلى سلاح، لا تعود تسأل:

كيف نمنع تكرار المأساة؟

بل تسأل:

كيف نثبت أن مأساتنا تمنحنا حقًا أكبر من مأساة الآخر؟

وهنا يتحول التاريخ إلى محكمة لا تنتهي.

النص في السجال السياسي

من هنا بدأت «القسمات الثلاث» تظهر في السجالات السياسية الحديثة.

يستدعيها المعارض للصهيونية ليقول:

حتى من داخل التراث اليهودي نفسه، توجد معارضة دينية لفكرة الدولة الصهيونية.

ويستدعيها آخر ليقول:

هذا تفسير حاخامي تاريخي لا يمثل كل اليهودية ولا يمكن أن يحكم دولة حديثة.

ثم يأتي طرف ثالث ليعيد تفسير النص كله باعتباره استعارة روحية لا برنامجًا سياسيًا.

وهكذا أصبح النص نفسه جزءًا من معركة الشرعية.

وهذا أمر يستحق التوقف.

فحين يصبح نص ديني قديم حجة في نزاع سياسي حديث، فإن السؤال لم يعد عن النص وحده.

بل عن من يملك حق استخدامه.

أخطر شيء: اختزال اليهودية في الصهيونية

ربما يكون من أكثر الأخطاء شيوعًا في النقاش العربي والإعلامي الخلط بين اليهودية والصهيونية.

اليهودية دين وتراث حضاري واسع، له مدارس واتجاهات وتفسيرات مختلفة.

أما الصهيونية فهي حركة سياسية حديثة نشأت في القرن التاسع عشر.

وقد يكون الشخص يهوديًا وصهيونيًا.

وقد يكون يهوديًا غير صهيوني.

وقد يكون يهوديًا مناهضًا للصهيونية.

وقد يكون متدينًا ويرفض الصهيونية لأسباب لاهوتية.

وقد يكون علمانيًا ويرفضها لأسباب سياسية أو أخلاقية.

هذه المساحة المتنوعة ليست تفصيلًا.

إنها ضرورية لفهم القضية.

لأن استخدام «اليهود» و«الصهيونية» وكأنهما كيان واحد يلغي أصواتًا يهودية عارضت المشروع الصهيوني، كما يلغي في الوقت نفسه حقيقة أن قطاعات واسعة من اليهود دعمت المشروع الصهيوني.

وأخطر من ذلك: تحويل النص إلى رخصة

هناك خطأ مقابل لا يقل خطورة.

وهو استخدام النصوص الدينية لتقديم شرعية مطلقة لأفعال سياسية معاصرة.

حتى لو كان الإنسان يؤمن بأن أرضًا ما ورد ذكرها في النصوص المقدسة، فهذا لا يحسم تلقائيًا حقوق السكان الذين يعيشون عليها.

فالحق الديني، في عالم متعدد الأديان والقوميات، لا يلغي تلقائيًا الحقوق الإنسانية والقانونية للآخرين.

وهنا يجب أن نفرق بين سؤالين:

ماذا يعني النص للمؤمن؟

و

ماذا يسمح لنا القانون والأخلاق أن نفعل بالآخر؟

قد يكون الأول دينيًا.

أما الثاني فهو إنساني وسياسي.

والخلط بينهما قد يحول العقيدة إلى مبرر للصراع.

هل يمكن أن يكون النص جزءًا من الحل؟

ربما.

لكن بشرط واحد:

ألا نطلب منه أن يكون خريطة عسكرية.

وألا نحوله إلى سند لإلغاء الآخر.

وألا نجعله بديلًا عن السياسة والقانون.

يمكن للنصوص الدينية أن تقدم لغة أخلاقية للحوار.

يمكنها أن تتحدث عن الرحمة، والعدل، وحرمة الظلم، وكرامة الإنسان.

لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى وثائق ملكية حصرية للأرض.

لأن كل طرف يستطيع عندها أن يخرج من نصوصه ما يثبت أنه وحده صاحب الحق.

وهكذا يصبح الحوار بين الأديان حوارًا بين جيوش من النصوص.

السؤال الذي لا يريد أحد طرحه

إذا كان الوعد الديني يمنح جماعة معنى خاصًا لأرض ما، فهل يعني ذلك أن الآخرين لا يملكون حقًا فيها؟

وإذا كان شعب ما عاش على الأرض قرونًا، فهل يعني ذلك أن الذاكرة الدينية للشعب الآخر تصبح بلا قيمة؟

الإجابة عن السؤالين بالنفي هي بداية أي تفكير أخلاقي.

لأن الأرض يمكن أن تحمل أكثر من ذاكرة.

والقدس يمكن أن تكون مقدسة لأكثر من دين.

والتاريخ يمكن أن يكون مؤلمًا لأكثر من شعب.

وإذا كان الدين يرفع الإنسان فوق الأرض، فإن السياسة كثيرًا ما تفعل العكس:

تحول الأرض إلى سبب لإسقاط الإنسان.

القسمات الثلاث كاختبار للقراءة

ربما يمكننا الآن أن نفهم لماذا بقيت «القسمات الثلاث» حاضرة.

ليس لأنها تقدم حلًا سياسيًا جاهزًا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

بل لأنها تكشف شيئًا عن الطريقة التي يصنع بها البشر الشرعية.

فمن يقرأ القسمات الثلاث باعتبارها تحذيرًا من استعجال الخلاص، يرى الصهيونية تجاوزًا دينيًا.

ومن يقرأها باعتبارها نصًا تاريخيًا مرتبطًا بالمنفى، يرى أن الدولة الحديثة تجاوزت سياقها.

ومن يعيد تفسيرها في ضوء الصهيونية الدينية، قد يرى في الدولة بداية للخلاص.

ومن يقرأها سياسيًا، يستخدمها لإثبات موقفه من الصهيونية.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل فوق كل هذه القراءات:

هل يستطيع الإنسان أن يستخدم النص دون أن يسمح للنص بأن يحاكمه؟

فإذا كان النص لا يُستدعى إلا لإدانة الآخر، فقد تحول إلى أداة.

أما إذا قرأناه ليضع قيودًا على أنفسنا كما يضعها على خصومنا، فقد استعاد شيئًا من وظيفته الأخلاقية.

الأرض التي لا يكفي امتلاكها

لقد أثبت التاريخ أن امتلاك الأرض لا ينهي الصراع على معناها.

قد تملك الدولة الحدود.

لكنها لا تملك ذاكرة كل من عاش على الأرض.

وقد تملك الجماعة رواية تاريخية قوية.

لكنها لا تملك حق محو رواية الآخرين.

وقد يملك المؤمن نصًا مقدسًا.

لكن النص المقدس لا ينبغي أن يصبح رخصة لإلغاء الإنسان الذي يقف أمامه.

وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى:

يمكن للإنسان أن ينتصر في معركة الأرض، لكنه قد يخسر معركة المعنى.

فالسيادة تصنع دولة.

لكنها لا تصنع وحدها عدلًا.

والقوة تحمي الحدود.

لكنها لا تصنع وحدها شرعية أخلاقية.

والنص يمنح الهوية معنى.

لكنه لا يلغي وجود الآخرين.

وفي النهاية...

بدأت «القسمات الثلاث» كتفسير لآيات من نشيد الأنشاد.

ثم أصبحت فلسفة للمنفى.

ثم تحولت إلى حجة دينية ضد الصهيونية.

ثم أعيد تفسيرها داخل الصهيونية الدينية.

ثم دخلت إلى السجال السياسي الحديث.

وهكذا قطعت الكلمات رحلة طويلة:

من القصيدة إلى التلمود، ومن التلمود إلى العقيدة، ومن العقيدة إلى السياسة، ومن السياسة إلى الصراع على الأرض.

لكن الرحلة لم تنتهِ.

لأن السؤال الحقيقي ليس:

هل تؤيد القسمات الثلاث الصهيونية أم تعارضها؟

السؤال الأعمق هو:

ماذا يحدث عندما يتحول تفسير ديني إلى جزء من هوية سياسية، ثم تتحول الهوية السياسية إلى دولة، ثم تصبح الدولة طرفًا في نزاع مع شعب آخر؟

عندها يصبح علينا أن نقرأ النص مرتين:

مرة لنفهم ماذا كان يعني لأصحابه.

ومرة لنفهم ماذا فعل به التاريخ.

وبين القراءتين توجد المسافة التي تفصل الإيمان عن السياسة.

وربما تكون أخطر لحظة هي عندما تختفي هذه المسافة تمامًا.

عندما يقول السياسي:

هذا هو النص، إذن هذا هو الحق.

وعندما يقول خصمه:

وهذا هو النص الذي يثبت أن الحق لي.

عندها لا يعود النص مساحة للتأمل.

يصبح سلاحًا.

وربما لهذا كانت مهمتنا في هذه السلسلة منذ البداية أن نعيد النص إلى مكانه الأصلي:

لا في يد المحارب، بل أمام القارئ.

فالنص الذي يستطيع أن يمنح الإنسان هوية، يجب ألا يتحول إلى أداة تسلب إنسانًا آخر هويته.

وهنا تقترب السلسلة من سؤالها الأكثر جرأة:

هل كان الصراع على فلسطين صراعًا على الأرض فقط؟

أم أن خلف الأرض صراعًا أعمق على الذاكرة، والهوية، والوعد، ومن يملك حق كتابة التاريخ؟

في المقال العاشر سنترك النص قليلًا، وننظر إلى الذاكرة؛ لأن الصراع لا يعيش بما حدث فقط، وإنما بما يتذكره الناس عما حدث.

وسنواجه السؤال الأصعب:

هل يمكن لشعبين أن يعيشا فوق أرض واحدة إذا كان كل منهما يحمل تاريخًا يقول له إن الأرض لا يمكن أن تكون إلا له؟

مقالات الرأي

آخر الأخبار