كلية الدفاع الوطني بين التخطيط وصياغة الاستراتيجية الشاملة


د.أحمد البحيري
تمثل كلية الدفاع الوطني في مصر الركيزة الأساسية في بنية الفكر الاستراتيجي للدولة، وهي المؤسسة التي صُممت لتكون البوتقة التي ينصهر فيها الفكر العسكري مع الخبرة المدنية لإنتاج نخبة قيادية قادرة على إدارة شؤون الدولة في أوقات السلم والأزمات، إن فهم دور كلية الدفاع الوطني يتطلب معرفة تاريخ نشأتها، وفلسفتها التعليمية، ومعايير اختيار كوادرها، فضلاً عن تحليل أثرها العميق في صياغة الاستراتيجيات القومية المصرية، حيث تعتبر أعلى جهة بحثية ودراسية في مجالات الاستراتيجية والأمن القومي في مصر.
مرت الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا وكلياتها بمراحل إنشائية دقيقة لضمان اكتمال هيئتها التدريسية ومنظومتها الإدارية، وقد نُفذ هذا التشكيل عبر ثلاث مراحل رئيسية بدأت في عام 1965م، تضمنت المرحلة الأولى تشكيل إدارة الشؤون التعليمية والإدارية، وانطلقت الدراسة فعلياً في كلية الحرب العليا في مارس 1965، أما كلية الدفاع الوطني، فقد كانت محور المرحلة الثانية من التأسيس التي جرت خلال عام 1966م، واستكملت المرحلة الثالثة خلال عامي 1967 و1968م.
وفي إطار التطوير الشامل للقوات المسلحة المصرية وتحديث مفاهيم الأمن القومي، شهدت الأكاديمية تحولاً هيكلياً لتصبح "الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية"، وهو ما يعكس رغبة القيادة السياسية في توسيع نطاق البحث العلمي ليشمل كافة المتغيرات الدولية والإقليمية وانعكاساتها على الشخصية المصرية، وانضم مركز الدراسات الاستراتيجية للأكاديمية في فبراير 1992م، لتعمل كلية الدفاع الوطني جنباً إلى جنب مع كلية الحرب العليا ومركز الدراسات في منظومة متكاملة لصنع القرار القائم على أسس علمية رصينة.
وتدار كلية الدفاع الوطني ضمن هيكل أكاديمي وعسكري يضمن أعلى مستويات الجودة العلمية والانضباط، يبرز دور المجالس العليا في رسم السياسات، حيث يتولى المجلس الأعلى للأكاديمية، برئاسة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، مهام إقرار سياسة التعليم والبحوث والتعاون العلمي مع الدول الأخرى.
الانتقال من التكتيك إلى الاستراتيجية الشاملة
تتمثل المهمة المحورية لكلية الدفاع الوطني في تأهيل وتنمية قدرات كبار الضباط وكبار العاملين المدنيين بالدولة لشغل المناصب العليا، ليس فقط في المؤسسة العسكرية، بل في كافة أجهزة الدولة المصرية، تبتعد الدراسة في الكلية عن النمط المتعارف عليه للتعليم العسكري، لتنتقل إلى آفاق "القوى الشاملة للدولة"، والتي تشمل الأبعاد السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، العسكرية، والتقنية.
وتركز برامج الزمالة بالكلية على إعداد كوادر من قادة الدولة، وتنمية قدراتهم في الإدارة الاستراتيجية واتخاذ القرارات المناسبة في إطار نظرة شاملة لاحتياجات المجتمع، وتهدف الدراسة إلى خلق لغة مشتركة وفهم متبادل بين العسكريين والمدنيين والوافدين الذين يتحملون مسؤولية اتخاذ القرار في المستقبل، وتعتمد الكلية منهجية تعليمية لا تعتمد على التلقين، بل على البحث وتطوير الذات باستخدام وسائل الاتصال الحديثة والمكتبات الإلكترونية، مما يمكن الدارس من تحليل المشاكل وإيجاد الحلول ووضع الاستراتيجيات المقترحة، هذا النهج يحول الدارس من متلقٍ للمعلومة إلى صانع للرؤية الاستراتيجية.
إن كلية الدفاع الوطني المصرية ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي مختبر لصناعة الفكر القومي ورسم سيناريوهات المستقبل، من خلال تحليل مناهجها ومعاييرها وأنشطتها، يمكن استخلاص النتائج التالية حول دورها الاستراتيجي:
1. توحيد الفكر الاستراتيجي للدولة: تنجح الكلية في خلق لغة مشتركة بين المكونين العسكري والمدني في الإدارة، مما يقلل من الفجوات التنفيذية أثناء إدارة الأزمات الكبرى.
2. الاستشراف المستقبلي: عبر اعتماد علم المستقبليات والمباريات الاستراتيجية، تمنح الكلية الدولة القدرة على الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة والتخطيط بعيد المدى.
3. حماية الأمن القومي الرقمي: من خلال إدماج الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي في صلب مناهجها، وتضمن الكلية وجود قادة قادرين على استيعاب ومواجهة تهديدات العصر الرقمي.
4. تعزيز القوة الناعمة: يمثل الخريجون الوافدون من الدول العربية والأفريقية جسوراً للتفاهم الاستراتيجي، مما يعزز من ريادة مصر الإقليمية ودورها كمركز إشعاع فكري في مجالات الدفاع والأمن.
5. التوعية القومية الشاملة: تلعب الكلية دوراً محورياً في حصانة الجبهة الداخلية ضد حروب الجيل الرابع عبر نشر الوعي الصحيح بمفاهيم الأمن القومي بين الشباب والكوادر المدنية.
تظل كلية الدفاع الوطني المصرية، ضمن منظومة الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، صمام الأمان الفكري الذي يغذي مفاصل الدولة بالخبرات والقيادات القادرة على صون مقدرات الوطن وتحقيق تطلعاته في ظل بيئة عالمية وإقليمية شديدة التعقيد، إن استمرارية هذه المؤسسة في التطوير والابتكار الأكاديمي يمثل ضمانة أكيدة لاستدامة الأمن القومي المصري بمفهومه الشامل الذي يجمع بين القوة العسكرية والازدهار الاقتصادي والتماسك الاجتماعي.
























