الإثنين، 16 مارس 2026 07:04 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: الديانة الإبراهيمية.. حين يرتدي السياسيُّ عباءةَ النبي قراءة في كتاب ”الديانة الإبراهيمية وصفقة القرن” للدكتورة هبة جمال الدين

بوابة المصريين

أولاً: لماذا الآن؟
ثمة لحظاتٌ في التاريخ تتكشّف فيها الأقنعة دفعةً واحدة، لا بفعل الوعي وحده، بل بفعل الحدث الصاخب الذي يمزّق الستار بيد غليظة. واليوم، وفي ظل العدوان الأمريكي الإسرائيلي وحلفائهما على إيران، وما يسبقه من إبادة ممنهجة لغزة وتهجير للشعب الفلسطيني، يصير السؤالُ ملحّاً وضرورياً: لماذا يُطرح مفهوم "الديانة الإبراهيمية" بهذا الزخم تحديداً في هذه اللحظة؟
الإجابة ليست في علم اللاهوت، بل في علم السياسة.
حين تشتعل المنطقة بالنار، ويُعاد رسم خرائطها بالدم، ثمة من يعمل في الظل على إعادة رسمها بالحبر أيضاً؛ حبرُ المناهج، وحبرُ الخطاب الديني، وحبرُ الاتفاقيات التي تُسمّى سلاماً وليست إلا استسلاماً منظّماً. هنا بالضبط تقف الدكتورة هبة جمال الدين، أستاذة العلوم السياسية والدراسات المستقبلية، لتقول بصوت هادئ لكنه حادّ كالمشرط: "انتبهوا، هذا ليس ديناً، هذا مشروع."

ثانياً: ما الديانة الإبراهيمية كمفهوم سياسي؟
قبل أن نفتح صفحات الكتاب، لا بدّ أن نفهم طبيعة الأداة التي نحن بصددها.
"الديانة الإبراهيمية" أو ما يُسمّى أحياناً بـ"الولايات المتحدة الإبراهيمية"، ليس مصطلحاً نبتَ في حقل الفلسفة الدينية بحثاً عن حقيقة، بل هو مصطلح صِيغَ في مختبرات السياسة بحثاً عن وظيفة. وظيفته الظاهرة: الجمعُ بين الأديان السماوية الثلاثة تحت مظلة "الأب المشترك" إبراهيم عليه السلام. ووظيفته الحقيقية: اختراق الهوية العربية والإسلامية من الداخل، وإذابة الفوارق الوطنية والدينية لصالح مشروع التطبيع مع الكيان الصهيوني.
إنه توظيفٌ للمقدّس في خدمة المُدنَّس السياسي، استخدامٌ للروحانيات كورقة ضغط دبلوماسية، تُسمّيه الكاتبة بدقة: "الدبلوماسية الروحية". وهي دبلوماسية تقول للعربي: لستَ تُطبّع مع محتلّ، بل تعود إلى أخٍ في إبراهيم. وتقول للمسلم: لستَ تتنازل عن القدس، بل تعانق جذرك الأول.
هذا هو الخداع في أبهى صوره، لأنه يسرقك باسمك.

ثالثاً: الكتاب.. تشريحُ مشروع
صدر كتاب "الديانة الإبراهيمية وصفقة القرن" عن الدار المصرية اللبنانية عام 2022، في 256 صفحة مكثّفة تجمع بين الرصانة الأكاديمية وحدّة الرؤية الاستراتيجية. وتذهب الكاتبة مباشرةً إلى العصب حين تصوغ أطروحتها المركزية: الإبراهيمية مشروعٌ سياسي يرتدي عباءةً دينية، هدفه إعادة تشكيل المنطقة العربية لصالح المشروع الصهيوني.

١ـ الوجه الناعم لصفقة القرن
لا يمكن فهم "اتفاقيات إبراهيم" ـ تلك الاتفاقيات التطبيعية التي وقّعتها دولٌ خليجية مع إسرائيل عام 2020 ـ بمعزل عن "صفقة القرن" التي صاغها جاريد كوشنر ورعتها واشنطن. فاتفاقيات إبراهيم ليست إلا الواجهة الروحانية لهذه الصفقة؛ طُلِيَت بطلاء الدين حتى تمرّ من بوابة الشعوب التي رفضت ما رفضته قيادتها السياسية أن ترفضه.
الكاتبة ترصد هذا الترابط ببراعة: فبينما تُقدّم الصفقة الحلولَ الاقتصادية، تُقدّم الإبراهيمية المسوّغَ العقدي. كلاهما يصبّ في هدف واحد: تصفية القضية الفلسطينية عبر تحويلها من قضية حق وعدل إلى مجرد "نزاع قديم بين أبناء إبراهيم" يمكن حلّه بالحوار واكتشاف المشترك.

٢ـ اختراق الهوية.. من التعليم إلى المسجد
ما يجعل هذا المشروع أشدّ خطورةً من الاتفاقيات السياسية الصريحة أنه لا يطرق الباب، بل ينزلق من تحته. تتابع الدكتورة جمال الدين كيف يمتدّ المخطط ليطال المناهج التعليمية، إذ تُضَخّ في الوعي العربي مفردات الأخوّة الإبراهيمية منذ الطفولة. ويطال الخطاب الديني، حيث تُستدعى الشخصيات المشتركة ـ كإبراهيم وإسحاق وإسماعيل ـ لا لتعليم الإيمان، بل لتسويغ التطبيع.
إنه استعمارٌ ثقافي يبدأ بالمصطلح وينتهي بتغيير الإنسان من الداخل.

٣ـ تفكيك الدولة الوطنية
تذهب الكاتبة إلى ما هو أبعد من فلسطين، لتحذّر من أن الهدف الجيوسياسي الأشمل هو تجاوز مفهوم الدولة الوطنية برمّتها؛ إذ يسعى المشروع إلى "تكامل إقليمي" يُضعف السيادة العربية ويُحوّل إسرائيل إلى المركز الاقتصادي والتكنولوجي لـ"شرق أوسط جديد". وفي هذا الشرق الأوسط الجديد، لا وطنَ فلسطينياً ولا عاصمةَ قدس، بل "إقليمٌ مندمج" تكون إسرائيل قلبَه النابض.

رابعاً: راهنيّة الكتاب اليوم
كتبت الدكتورة هبة جمال الدين كتابها عام 2022، لكنه اليوم ـ وفي ظل القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وما سبقه من تدمير ممنهج لغزة ـ يبدو وكأنه كُتب هذا الصباح.
ذلك لأن العدوان العسكري والمشروع الإبراهيمي وجهان لعملة واحدة: العدوان يُدمّر المقاومة، والإبراهيمية تُدمّر الهوية. الأول يُسقط الجدران بالقنابل، والثاني يذيب الجدران بالكلمات. وكلاهما يخدم مشروعاً واحداً: إعادة تشكيل المنطقة من غير أهلها، ولغير مصلحتهم.
إيران في هذا السياق ليست مجرد هدف عسكري. إنها ـ في منطق هذا المشروع ـ عقبةٌ أمام "الشرق الأوسط الجديد"، لأن وجودها يعني وجود قوة إقليمية رافضة للهيمنة الإسرائيلية الأمريكية، ومن ثمّ رافضة للإبراهيمية كأداة تطبيع.

خاتمة: الوعيُ أولُ الحصون
يُقدّم كتاب الدكتورة هبة جمال الدين درساً جوهرياً في زمن تتشابك فيه الحروب وتتعدد ساحاتها: الحربُ اليوم تُخاض بالمصطلح قبل المدفع، وبالمنهج قبل الميدان. ومَن يملك تعريفَ المفهوم، يملك تشكيلَ الوعي، ومن يملك الوعي يملك في النهاية الإرادة.
لذا فإن قراءة هذا الكتاب ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة دفاعية. فالشعوب التي لا تقرأ مشاريع هدمها لا تملك أدوات بنائها. والأمة التي تقبل إعادة تعريف هويتها على يد غيرها، تكون قد خسرت معركتها قبل أن تبدأها.

الديانة الإبراهيمية ليست رسالةً من السماء، إنها ورقةُ عملٍ من واشنطن.

مقالات الرأي

آخر الأخبار