الثلاثاء، 5 مايو 2026 12:09 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: إهانة الفقر.. رغيفٌ وكيسُ فولٍ في المواجهة

بوابة المصريين

لم تكن تلك الطالبة تحمل في يدها رغيفين وكيس فول فحسب، بل كانت تحمل بكل براءتها — وبلا أن تدري — فضيحةً كاملة، وملفًا ثقيلًا. غير أن وكيل مديرية التربية والتعليم في بني سويف آثر، في لحظة عمياء من لحظات السلطة المنفلتة، أن يُدير المشهد بالمقلوب تمامًا؛ فبدلًا من أن يخجل هو مما رأى، جعلها هي مَن يخجل مما جاءت به.

وهنا يكمن جوهر الجريمة، ليست جريمة الفقر، فالفقر ليس عارًا وليس جُرمًا، بل جريمة تلك النظرة الفوقية التي تمسك بتلابيب الإدارة البيروقراطية وتمنعها من أن ترى نفسها في المرآة.

عندما تتحول الجولة التفتيشية إلى محكمة شعبية

جاء الوكيل يتفقد، والتفتيش في مفهومه الأصيل رقابةٌ على الأداء المؤسسي، ومحاسبةٌ للمنظومة لا للفرد المستضعف. لكن شيئًا ما في بنية هذا المسؤول دفعه إلى أن يُحوّل جولته إلى استعراض للهيبة، وأداةً لإثبات الوجود، فلم يجد أمامه سوى طفلة تحمل وجبة متواضعة ليصنع منها "حدثًا".

طُلب منها أن تُخرج طعامها أمام زميلاتها. تلك الجملة وحدها كافيةٌ لتشريح النفسية الأوتوقراطية التي تسكن شريحة واسعة من المسؤولين في المستويات الوسطى والدنيا للبيروقراطية؛ إنسانٌ مُمسكٌ بصلاحيات صغيرة لكنه يُشغّلها بعقلية السيد المطلق. يريد أن يرى، أن يُفتّش، أن يُحرج، أن يُثبت أنه موجود، وأن لحضوره ثقلًا يُشعر به الآخرون.

وما تبع ذلك من تعليقات جارحة وساخرة ليس زلةً لسان، بل كشفٌ تلقائي عن منظومة قيم يحملها هذا المسؤول، منظومة تعتبر الفقر نقيصةً تستوجب التعليق، وتعتبر الطعام المتواضع مادةً للسخرية، ناسيًا — أو متناسيًا — أن واجبه الأول، قبل التفتيش وبعده، هو أن يكون في خدمة هؤلاء الأطفال لا في استعراض مظاهر سلطته عليهم.

الإهانة تحت مجهر علم النفس: حين تُجرَّد الطفلة من كرامتها

لفهم ما حدث للطالبة بعمق، لا بد أن ننظر إلى المشهد من داخل الكيان النفسي لطفلة في سن المراهقة، وهي المرحلة التي يُجمع علماء النفس على أنها الأكثر حساسيةً وهشاشةً في تشكيل الهوية الإنسانية.

يُعرّف علماء النفس الاجتماعي ما تعرضت له الطالبة بوصفه نمطًا من أنماط "الإذلال العلني"، وهو من أشد أنواع الصدمات النفسية تأثيرًا في المراهقين. فبحسب نظرية إريك إريكسون للنمو النفسي الاجتماعي، يمر المراهق في هذه المرحلة بصراع محوري هو صراع "الهوية مقابل الاضطراب"، ويسعى جاهدًا إلى أن يبني صورةً إيجابية عن ذاته داخل الجماعة التي ينتمي إليها؛ فإذا جاء فعلٌ عدواني من شخصية سلطوية يحتلّ مكانة أعلى في الهرم الاجتماعي ليُحطّم تلك الصورة أمام الأقران، فإن الأثر لا يبقى لحظةً عابرة، بل يُنقش في الوجدان ويُعيد تشكيل رؤية الفرد لنفسه وللعالم من حوله.

والأخطر من ذلك ما يُسميه علم النفس بـ"الصدمة الاجتماعية المرتبطة بالهوية الطبقية"؛ إذ حين يُهان الإنسان بسبب فقره تحديدًا، فإن الرسالة التي تصله ليست مجرد "أنت أخطأت"، بل رسالة أعمق وأشد إيجاعًا: "أنت أقل، وفقرك خزيٌ يستوجب العقوبة". وهذه الرسالة، حين تأتي من صاحب سلطة وأمام مجموعة من الأقران، تنزل منزلة الحكم القضائي في وعي الطفل.

ولا غرابة — والحال كذلك — أن رفضت الطالبة الذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي. فالمدرسة لم تعد في وعيها مكانًا للتعلم، بل تحولت في لحظة واحدة إلى مسرح للخزي، إلى فضاء تجربت فيه أن حضورها أمرٌ مُحرج. وهذا بالضبط ما يُسميه علم النفس التربوي "القطيعة المدرسية الناجمة عن الصدمة"، وهو من أبرز مؤشرات التسرب المدرسي في البيئات التي يتصادم فيها الفقر مع سلطة غير رشيدة.

وليس ما أوقفت عنده الطالبة أقدامها مجرد غياب يوم دراسي، بل هو في حقيقته إشارة استغاثة نفسية. وفي سياق مثل هذا، يُحذر علماء النفس من آليات دفاع تنشئها النفس المراهقة لمواجهة الإذلال: أولها الانسحاب الاجتماعي، وثانيها تبني صورة سلبية عن الذات، وثالثها في الحالات الحادة تطوير ما يُشبه أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. ومن أشد ما ينبه إليه المتخصصون أن هذا النوع من الإهانة العلنية المرتبطة بالهوية الطبقية يترك أثرًا أعمق بكثير من الإساءة الجسدية في ما يخص الجرح الذي يلحق بالكرامة الإنسانية.

والمفارقة المؤلمة أن المدرسة، هذا الفضاء الذي يفترض أن يكون ملاذ الطفل الآمن وحضنه الثاني بعد الأسرة، قد تحولت في هذه الحادثة إلى مصدر خطر ومكانٍ للإذلال بفعل من يُفترض أنه جاء لرفع مستواها.

الوكيل والبنية النفسية للمسؤول المتسلط

لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن الشخصية النفسية التي أنتجته. فما الذي يدفع مسؤولًا في مستوى وكيل مديرية — وهو رجلٌ قطع أشواطًا في الترقي الوظيفي وله من الخبرة ما يجعله يُدرك أن من أمامه طفلة — إلى أن يتصرف بهذه الطريقة؟

يُقدم علم النفس التنظيمي إجابةً واضحة: هذا النمط من السلوك سمةٌ مميزة لما يُعرف بـ"الشخصية الاستبدادية الصغيرة"؛ إنسانٌ خضع هو نفسه طويلًا لسلطة فوقية ضاغطة، فلما آلت إليه صلاحيات ما، مهما كانت محدودة، تحرر من صدمته التراكمية بتفريغها على من هم أضعف منه. وليس صدفةً أن يختار ضحيةً من أسفل الهرم الاجتماعي لا من قممه.

والأشد خطورةً في هذا النمط أنه لا يرى في فعله إساءةً أصلًا؛ إذ ثمة في ذهنه منطقٌ داخلي متسق يقول إنه كان يُطبق النظام، ويُحقق في الأمور، ويؤدي مهمته. وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن العقوبة الفردية وحدها غير كافٍ، لأن هذا المسؤول ليس استثناءً شاذًا في المنظومة، بل هو نتاج طبيعي لها.

سبعة مليارات جنيه.. وطفلة برغيفين

لكن طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب أحمد بلال البرلسي لا يكتفي بفتح ملف الكرامة الإنسانية، بل يفتح معه ملفًا أشد فتكًا وأوسع تداعيةً: ملف منظومة التغذية المدرسية.

الأرقام المُعلنة رسميًا تقول إن الحكومة تُخصص نحو سبعة مليارات جنيه سنويًا لتوفير ما يقارب ستمائة وستين مليون وجبة لنحو تسعة عشر مليونًا ونصف مليون طالب. هذه أرقامٌ ضخمة بأي معيار. فلماذا إذن كانت تلك الطالبة مضطرة إلى حمل وجبتها من بيتها؟

السؤال ليس بلاغيًا. إنه سؤال محاسبة، وقد صاغه النائب البرلسي في طلب إحاطته بدقة وجرأة تستحقان التأمل: "لماذا احتاجت هذه الطفلة أصلًا إلى الذهاب إلى مدرستها بكيس فول ورغيفين عيش، طالما أن هناك تغذية مدرسية يُصرف لها الميارات سنويًا من أموال الشعب؟".

أمام هذا السؤال، ثمة احتمالان لا ثالث لهما: إما أن منظومة التغذية المدرسية تفتقر إلى الكفاءة الحقيقية في الوصول إلى الأسر الأشد احتياجًا، وإما أن ثمة هدرًا ممنهجًا في هذه المليارات يحتاج إلى تحقيق جاد وعاجل.

وفي كلا الحالين، فإن الطالبة التي أُهينت لم تكن صاحبة الخطأ. المنظومة هي التي أخفقت في الوصول إليها، والمسؤول هو الذي أضاف إلى فشل المنظومة جرحًا في الكرامة.

خاتمة: دروسٌ لا تقبل التأجيل

ما جرى في تلك المدرسة في بني سويف ليس حادثة فردية ولا واقعة عابرة. إنه مركّب دقيق يُلخّص بنية كاملة: بيروقراطيةٌ تعتقد أن سلطتها في إحراج الضعيف لا في خدمته، ومنظومةٌ تُعلن الأرقام دون أن تُبرهن على النتائج، ومجتمعٌ يحتاج إلى أن يقول بصوت عالٍ إن كرامة طفلة ليست أقل شأنًا من أي ملف حكومي.

طلب الإحاطة الذي تقدم به البرلسي يمثل ما ينبغي أن يكون عليه التشريع في خدمة الشعب: رأى ألمًا فرديًا، فحوّله إلى سؤال عام يطال المنظومة برمّتها.

نسأل وزير التربية والتعليم ورئيس الحكومة:

أين ذهبت السبعة مليارات؟

ومن يعتذر للطفلة؟

مقالات الرأي

آخر الأخبار