عبير نعيم احمد تكتب: السلام عليك يا مريم: منطقة الحياد البيضاء


في فيلم السلام عليك يا مريم للمخرج البريطاني من أصل فلسطيني باسل خليل ابن مدينة الناصرة لا تتجاوز مدة الفيلم خمس عشرة دقيقة، ومع ذلك نجح في أن يترك أثرًا إنسانيًا عميقًا أهّله للترشح لجائزة أوسكار عام 2016.
ورغم هذا التقدير العالمي، لم يخلُ الفيلم من انتقادات في بعض القراءات العربية التي رأت فيه تسطيحًا لفكرة الاحتلال وتهميشًا للقضية الفلسطينية، عبر تقديم الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي في صورة خلفية باهتة للأحداث. غير أن قراءة أخرى قد ترى أن المخرج تعمّد هذا الخيار؛ إذ لم يسعَ إلى طرح الصراع بوصفه خطابًا مباشرًا أو موقفًا سياسيًا صريحًا، بل أراد أن يضعه في الهامش، ليمنح الحكاية الإنسانية مركزها الحقيقي.و فكرة الصراع كخلفية للحكاية
من هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته في الفيلم بـ "منطقة الحياد البيضاء"؛ وهي مساحة رمزية يفتحها العمل أمام المتلقي، لا بوصفها حيادًا ساذجًا، بل باعتبارها منطقة إنسانية يتراجع فيها ضجيج السياسة وصخب الأيديولوجيا، لتبرز لحظة إنسانية خالصة.
تدور الحكاية في ديرٍ للراهبات يلتزمن الصمت بوصفه طقسًا تعبديًا. وفي يوم السبت، وهو يوم مقدس لدى اليهود تُحظر فيه بعض الأعمال، تصل عائلة إسرائيلية إلى الدير بعد أن تعطلت سيارتهم لأنهم سلكوا طريق العرب. هنا تتكثف المفارقة الرمزية التي يبني عليها الفيلم دلالته: تحريمان دينيان متوازيان؛ صمت الراهبات في الدير من جهة، وحرمة العمل يوم السبت في الشريعة اليهودية من جهة أخرى.
لكن لحظة الضرورة الإنسانية سرعان ما تكسر هذا التوازي الصارم؛ فالراهبات يتخلين عن صمتهن من أجل محاولة الاتصال طلبًا للمساعدة، والعائلة نفسها تضطر إلى تجاوز قيود السبت طلبًا للنجدة. في هذه اللحظة تحديدًا، ينزاح الصراع إلى الخلف، وتظهر الإنسانية بوصفها القاسم المشترك الأعمق بين البشر.
بهذه البساطة البصرية والاقتصاد السردي، ينجح باسل خليل في تقديم فكرة مركّبة عبر مشهد يبدو عابرًا. فالفيلم لا يلغي الصراع، ولا يدّعي تجاوزه، لكنه يلمّح إلى أن الإنسان، حين يُدفع إلى لحظة الضرورة، قد يكتشف في الآخر إنسانيته قبل هويته.
وهكذا، وفي دقائق معدودة من الزمن السينمائي، يقدّم الفيلم جرعة إنسانية مكثفة تؤكد أن الفن، حتى في أقصر أشكاله، قادر على فتح نافذة صغيرة يطل منها الضوء وسط عتمة الصراعات الطويلة..لينتهى الفيلم وتبقى الرسالة المتوازية واضحة أن الإنسانية قد تصنع المعادلة الصعبة أحيانا.
























