الخميس، 26 مارس 2026 07:36 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

عبير نعيم احمد تكتب: سينما ”براديسو” الخادعة

بوابة المصريين

في بلدةٍ صغيرة جنوب إيطاليا، وقبل زمن الشاشات الحديثة، كانت سينما"براديسو" القديمة تعرض أفلامها عبر شاشة تقليدية بسيطة. هناك، كانت السينما أكثر من مجرد وسيلة للترفيه؛ كانت نافذةً واسعة لأحلام أطفال القرية. كانت اللقطة السينمائية بمثابة تخليد لفكرة مجردة، ونقطة الضوء الخارجة من آلة العرض كانت أشبه ببذرة حلم تبدأ رحلتها في العتمة لتنتهي على الشاشة.
كان" ألفريدو" عامل العرض في سينما "براديسو،" رجلًا بسيطًا لكنه مولع بالسينما. ومن بين الأطفال الذين سحرتهم تلك النقطة المضيئة كان الطفل الصغير توتو، الذي اعتاد التردد على قاعة العرض. مع مرور الوقت نشأت بينه وبين" ألفريدو" علاقة خاصة، علاقة أبوية روحية تجاوزت حدود الصداقة العادية.
كان" ألفريدو" يرى في الصبي شغفًا حقيقيًا بالصورة والحكاية، لذلك شجعه على مغادرة القرية الصغيرة والسفر لدراسة السينما والإخراج. مرت السنوات، وعاد "توتو" إلى قريته بعد أن أكمل دراسته، حاملاً معه ذاكرة الطفولة التي تشكلت داخل تلك القاعة المظلمة.
لكن القدر كان قد ترك بصمته على المكان. فقد اندلع حريق هائل في" سينما" براديسو"، وأنقذ توتو" ألفريدو "من الموت، غير أن الحادثة انتهت بفقدان" ألفريدو" لبصره.
ومع مرور الزمن رحل" ألفريدو" في صمت، تاركا وصية أخيرة. فقد سلمت زوجته إلى" توتو" بكرة العرض القديمة التي احتفظ بها لسنوات.
عاد " توتو" إلى روما، وجلس وحده في قاعة العرض، وأدار بكرة الفيلم. لم يستطع التقاط أنفاسه عندما بدأت الصور تتوالى على الشاشة؛ إذ اكتشف أن البكرة تحتوي على جميع اللقطات التي حُذفت من الأفلام التي عُرضت في سينما" براديسو."
كانت لقطات الحب والقبلات والمشاهد الرومانسية التي كانت الرقابة الدينية في القرية تمنع عرضها آنذاك بأمر الكاهن.
في تلك اللحظة أدرك' توتو" أن الشاشة التي صنعت أحلام طفولته كانت تخفي أيضًا جزءًا من الحقيقة. لقد نشأ هو وأطفال القرية على أفلام مبتورة، على حكايات ناقصة اقتُطع منها الحب والمشاعر.؛
كانت نقطة الضوء التي انطلقت يومًا لتصنع أحلامه تحمل في داخلها خدعة خفية؛ خدعة الحذف.
لم تكن بكرة الفيلم مجرد تذكار، بل شهادة صامتة على زمن من الرقابة، وعلى براءة طفل آمن يومًا بأن ما يراه على الشاشة هو الحكاية كاملة.
ربما أراد" ألفريدو" أن يقول لتوتو"، بعد كل تلك السنوات:
إن الحقيقة لا تختفي، وإن ما يُحذف من الحكاية يعود يومًا ليُروى.
هكذا تحولت بكرة العرض إلى ذاكرة خفية لسينما براديسو،" الخالدة وإلى شاهد على أن الخديعة قد تعيش طويلًا… لكنها لا تموت؛ ؛ كأنه أعلن " ألفريدو" براءته ؛ من خديعة الكهنة ؛ أراد أن يخلد الفكرة المبتورة لا سينما " براديسو" الخالدة .

مقالات الرأي