هدى صالح تكتب .. حين يتحول الميراث من صلة رحم إلى قطيعة


في مجتمعاتنا العربية، يظل الميراث واحداً من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً داخل الأسرة. فبعد رحيل الأب أو الأم، يفترض أن يكون الإرث وسيلة لحفظ الحقوق وتقوية الروابط، لكنه في كثير من الأحيان يتحول إلى سبب للخلاف والقطيعة بين الأشقاء، بل وربما إلى صراع طويل يترك جروحاً لا تلتئم.
أولاً: لماذا تنشأ مشاكل الميراث بين الأشقاء؟
مشاكل الميراث لا تبدأ عند تقسيم المال فقط، بل جذورها أعمق بكثير، ومن أهم أسبابها:
1. الجهل بأحكام الميراث الشرعية والقانونية
كثير من الناس لا يعرفون تفاصيل الميراث، فيظنون أن التوزيع يجب أن يكون متساوياً دائماً، أو يعتقدون أن من خدم الوالدين أكثر يستحق أكثر، فينشأ الظلم من دون قصد.
2. المشاعر القديمة المكبوتة
أحياناً يتحول الميراث إلى ساحة لتصفية حسابات قديمة:
• أخ يشعر أنه كان مهمشاً
• أخت ترى نفسها مظلومة
• خلافات زوجات أو أزواج
فيظهر الصراع الحقيقي بعد الوفاة.
3. تدخل الأزواج أو الأقارب
قد يدفع الزوج أو الزوجة أحد الأشقاء للمطالبة بما ليس له، أو لتحريضه ضد إخوته، خصوصاً عندما يكون المال كبيراً.
4. ضعف التواصل داخل الأسرة
الأسر التي لا تعرف الحوار ولا إدارة الخلافات تكون أكثر عرضةع للتفكك عند أول اختبار مالي.
ثانياً: لماذا قد يطمع أحد الأشقاء في حقوق الآخرين؟
الطمع لا يولد فجأة، بل له أسباب نفسية واجتماعية، منها:
• الخوف من المستقبل
من يشعر بعدم الأمان المالي قد يحاول أخذ أكثر مما يستحق.
• المقارنة بين الإخوة
“هو أخذ من أبي أكثر… إذن أستحق التعويض الآن”.
• ضعف الإيمان بالقناعة والعدل
عندما يغيب الوازع الديني والضمير، يتحول المال إلى غاية.
• تأثير المجتمع والمظاهر
الضغوط الاجتماعية تجعل البعض يريد المال لشراء مكانة أو شكل اجتماعي.
ثالثاً: لماذا يخسر الإخوة بعضهم بسبب الميراث؟
الخسارة لا تكون بسبب المال نفسه، بل بسبب ما يكشفه المال من داخل النفوس:
• انعدام الثقة
• سوء الظن
• التسرع في الاتهام
• عدم وجود قائد عائلي حكيم يدير الحوار
وهنا تظهر أهمية مهارات القيادة الأسرية وإدارة النزاعات، وهي مهارات يمكن تعلمها. فالشخص القادر على الاستماع والتهدئة والتفاوض يحمي عائلته من الانهيار، كما تفعل القيادات الحكيمة في المؤسسات.
رابعاً: لماذا يكتب بعض الآباء حقوق أولادهم قبل وفاتهم؟
بعض الآباء، خاصة عند وجود بنات، يخشون من:
1. طمع الأقارب
في بعض المجتمعات تُظلم البنات بحجة العادات.
2. الخلاف بين الإخوة بعد الوفاة
الأب يريد أن يضمن العدالة ويمنع النزاع.
3. وجود ممتلكات معقدة
شركات أو أراضٍ أو ديون تحتاج توضيحاً.
4. حماية البنات الضعيفات أو ذوي الاحتياجات الخاصة
بعض الآباء يكتبون وصايا لضمان حياة كريمة لأبنائهم الذين يحتاجون رعاية خاصة.
لكن يجب التنبيه أن كتابة الوصية لا يجوز أن تخالف أحكام الميراث الشرعية، بل تكون لتنظيم الحقوق وتوضيحها فقط.
خامساً: آثار مشاكل الميراث على الأسرة والمجتمع
• قطيعة رحم لسنوات
• أطفال يكبرون وهم لا يعرفون أقاربهم
• قضايا في المحاكم
• حزن نفسي يفوق قيمة المال
كم من إخوة خسروا ذكريات طفولتهم الجميلة بسبب قطعة أرض أو شقة!
سادساً: كيف نتجنب مشاكل الميراث؟
1. تعلم أحكام الميراث
2. كتابة وصية واضحة قبل الوفاة
3. اختيار شخص عادل لإدارة التوزيع
4. الحوار الصادق بين الإخوة
5. تذكر أن الأخ لا يُعوَّض
ومن المهم تربية الأبناء منذ الصغر على العدل والقناعة، لأن القيم التي تُزرع في الطفولة تحمي الأسرة في الكِبر
خاتمه
الميراث ليس مجرد أموال تُقسَّم، بل ميزان تُوزَن به القلوب.
فمن اختار الطمع خسر راحته قبل أن يخسر إخوته، ومن تمسّك بالعدل ربح الدنيا والآخرة معاً.
الميراث اختبار حقيقي للأخلاق قبل أن يكون قسمة أموال.
فإما أن يكون سبباً لزيادة المحبة والدعاء للميت، أو يتحول إلى نار تأكل ما تبقى من صلة الرحم.
تذكّروا أن البيت الذي بناه الأب بسنين تعبه لا يليق أن يُهدَم بقرار جائر أو كلمة قاسية.
وأن الأم التي جمعت أبناءها حول مائدة واحدة لا ترضى أن تراهم يتفرقون حول ورقة ميراث.
سيأتي يوم يقف فيه كل واحدٍ منا أمام الله وحده…
لن تُسأل عن قطعة أرض، بل عن قلبٍ كسرته، وعن رحمٍ قطعته، وعن حقٍ أكلته.
فإن كان لا بد من القسمة… فلتُقسَّم الأموال بالعدل،
ولتبقَ القلوب مجتمعة على المحبة.
لأن الأخ الذي تخسره اليوم لن يعيده لك مال الدنيا كله…
أما المال الذي تركته لأجل أخيك، فسيجده الله لك نوراً يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون























