الثلاثاء، 10 مارس 2026 05:46 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: الحرب والنفوذ والفضيحة: ثلاثية الصراع في الشرق الأوسط

بوابة المصريين

تشهد العلاقات الدولية في آذار/مارس 2026 مشهداً بالغ التعقيد، تتقاطع فيه خيوط الصراع العسكري مع فضاءات الفضائح السياسية والمالية. ففي الوقت الذي تشن فيه الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران بمشاركة بريطانية محدودة، تتصاعد فضيحة جيفري إبستين لتكشف عن شبكة علاقات مشبوهة تطال دوائر صنع القرار في واشنطن ولندن. هذه الورقة تحاول رؤية المشهدين معاً، ليس بصفتهما حدثين منفصلين، بل كوجهين لعملة واحدة تعبر عن أزمة نفوذ وغموض في بنية التحالفات الغربية.

الحرب على إيران: مثلث واشنطن-تل أبيب-لندن

في نهاية شباط/فبراير 2026، أعطى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء الأخضر لشن ضربات عسكرية مشتركة مع إسرائيل ضد أهداف إيرانية، في عملية عسكرية أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم "الغضب الملحمي" (Operation Epic Fury)، بينما أطلقت عليها إسرائيل اسم "زئير الأسد" . الضربات كانت الأكثر دموية منذ عقود، حيث أسفرت عن مقتل آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الذي حكم البلاد منذ عام 1989، إضافة إلى سقوط 148 شخصاً في مدرسة للبنات جنوب إيران، وفقاً لوسائل إعلام إيرانية .

تبرير العملية العسكرية جاء على لسان الرئيس ترامب الذي اتهم إيران بـ"حملة سفك دماء وقتل جماعي لا تنتهي" ضد الولايات المتحدة، وزعم أن طهران رفضت كل فرص التخلي عن برنامجها النووي . لكن الموقف البريطاني كان أكثر حذراً وتعقيداً من مجرد الانخراط المباشر.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه. فمن جهة، أعلن ستارمر أنه سمح للولايات المتحدة باستخدام قواعد بريطانية لشن ضربات على مواقع صواريخ إيرانية، واصفاً ذلك بأنه عمل "دفاعي" . لكنه حرص على التأكيد أن بريطانيا "لن تشارك في عمل هجومي الآن" . هذا الموقف المتناقض أثار حفيظة طهران، حيث حذر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الدول الأوروبية من أن الانضمام إلى الحملة الأميركية الإسرائيلية ضد إيران سيعتبر "عملاً حربياً" . وبسخرية لاذعة، علق بقائي على وصف ستارمر للضربات بأنها دفاعية قائلاً: "دفاعي هو مرادف لهجومي. هل هذا منطقي؟" .

الموقف البريطاني المتردد أثار استياء البيت الأبيض. تقارير صحافية كشفت أن ترامب عبر عن إحباطه من رفض ستارمر السماح باستخدام قاعدة دييغو غارسيا العسكرية في المحيط الهندي -وهي أرض بريطانية سيادية لكنها تدار من قبل القوات الأميركية- لشن غارات على إيران . في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، هاجم ترامب القادة البريطانيين ووصفهم بالضعفاء، قائلاً: "سنكون دائماً مستعدين وراغبين وقادرين على القتال من أجل المملكة المتحدة، لكن عليهم أن يظلوا أقوياء في مواجهة التيار اليساري والمشاكل الأخرى التي توضع أمامهم" .

الضربات لم تمر دون رد إيراني. فخلال ساعات من الهجوم، أطلقت إيران صواريخها على دول مرتبطة بالعمليات العسكرية الأميركية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص تعرضت لضربة بطائرة مسيرة، وفقاً لوزارة الدفاع البريطانية . قبرص، بصفتها دولة الاتحاد الأوروبي الأقرب إلى إيران، سارعت إلى توجيه اللوم إلى لندن على صياغة تصريحات ستارمر، بينما سارعت اليونان وفرنسا إلى نشر أصول عسكرية في الجزيرة لحمايتها من مزيد من الهجمات الجوية .

فضيحة إبستين: الجمر تحت الرماد

بالتوازي مع التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، كانت فضيحة جديدة تضرب دوائر النخبة في واشنطن. ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، بدأت وزارة العدل الأميركية نشر مجموعات كبيرة من الوثائق المتعلقة بجيفري إبستين، الممول المدان بجرائم جنسية . هذه الوثائق كشفت النقاب مجدداً عن شبكة العلاقات الواسعة التي أقامها إبستين مع شخصيات بارزة في الأوساط الأكاديمية والسياسية والمالية .

ما بدا كفضيحة أخلاقية تحول سريعاً إلى أزمة سياسية تطال إدارة ترامب نفسها. النائبة الجمهورية نانسي ميس من كارولاينا الجنوبية قادت حملة داخل لجنة الرقابة بمجلس النواب لاستدعاء النائبة العامة بام بوندي للشهادة حول تعامل وزارة العدل مع وثائق إبستين . ميس صرحت قائلة: "قضية إبستين هي واحدة من أكبر عمليات التغطية في التاريخ الأميركي. شبكة الاتجار الجنسي العالمية الخاصة به أكبر مما يتم الكشف عنه. ثلاثة ملايين وثيقة نُشرت، وما زلنا لا نملك الحقيقة الكاملة. مقاطع فيديو مفقودة. تسجيلات صوتية مفقودة. سجلات مفقودة. هناك ملايين الوثائق الأخرى في الخارج" .

اللجنة صوتت بأغلبية 24 صوتاً مقابل 19 لصالح استدعاء بوندي، حيث انضم خمسة جمهوريين إلى الديمقراطيين لدعم القرار . هذا التصويت كشف عن شرخ داخل الحزب الجمهوري نفسه حول كيفية التعامل مع الفضيحة. وزارة العدل اعترفت بأن عشرات الآلاف من الوثائق المتعلقة بإبستين غير متاحة حالياً على الإنترنت، بينما تعمل السلطات على معالجة التنقيصات ومخاوف الخصوصية .

لكن الأكثر إحراجاً للإدارة كان ظهور اسم وزير التجارة هاورد لوتنيك في الوثائق. لوتنيك اعترف في شباط/فبراير بأنه التقى إبستين مرتين بعد إدانته عام 2008 بتهمة الدعارة من قاصر . لكن الوثائق التي نُشرت كشفت تناقضات في روايته. النائب الجمهوري توماس ماسي من كنتاكي دعا لوتنيك إلى الاستقالة قائلاً: "هناك ثلاثة أشخاص في بريطانيا استقالوا من مناصبهم السياسية. السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة، والأمير فقد لقبه لأقل مما رأيناه هاورد لوتنيك يكذب بشأنه" .

بريطانيا تواجه اختبارها الخاص

في لندن، كان المشهد لا يقل سخونة. إيلي هونيغ، المحلل القانوني في شبكة CNN والمدعي الفيدرالي السابق، وصف موقف وزارة العدل الأميركية بأنه "محرج" لأنها "تُهزم" من قبل كل من الكونغرس والسلطات البريطانية في التحقيقات المتعلقة بإبستين . ففي غضون أسابيع، تمكن المحققون البريطانيون من التحقيق مع الأمير أندرو واعتقاله، بالإضافة إلى اللورد بيتر ماندلسون، وتنفيذ عمليات تفتيش واستجواب موسعة . بالمقابل، قال هونيغ: "ليس واضحاً حتى ما إذا كانت وزارة العدل تفعل أي شيء على الإطلاق" .

اللافت أن الفضيحة تجاوزت الحدود الوطنية لتصبح قضية دولية. تقارير إعلامية كشفت أن وزارة العدل الأميركية أزالت أكثر من 47 ألف وثيقة من منصة الإنترنت، بعضها يتعلق بملاحظات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) حول مقابلات مع امرأة عام 2019. تلك المرأة شهدت بأنها تعرضت للاعتداء من قبل إبستين كقاصر في الثمانينيات، ووجهت اتهامات بسوء السلوك الجنسي ضد الرئيس السابق دونالد ترامب .

بين الحرب والفضيحة: أزمة ثقة

المشهد المتشابك بين الحرب على إيران وفضيحة إبستين يكشف عن أزمة أعمق في بنية التحالفات الغربية. ففي الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً تستهدف تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط، تبدو بريطانيا ممزقة بين ولائها التقليدي لواشنطن وانشغالها بفضائحها الداخلية.

الردود الدولية على الحرب كانت متباينة. روسيا، عبر رئيس مجلس الأمن السابق دميتري ميدفيديف، وصفت المفاوضات مع إيران بأنها كانت مجرد "غطاء" للهجوم . الاتحاد الأوروبي حذر من أن الوضع في المنطقة "خطير" ودعا إلى حماية المدنيين . قطر أكدت أنها تصدت لعدد من الهجمات . أما أوكرانيا، فاتخذت موقفاً مغايراً، حيث قالت إن "عنف الحكومة الإيرانية ضد شعبها والدول الأخرى" هو الذي أثار الهجمات .

لكن الموقف الأكثر إثارة للاهتمام كان للقوى الأوروبية الكبرى. فرنسا، ألمانيا، وبريطانيا أصدرت بياناً مشتركاً قالت فيه إنها ستتخذ خطوات تتضمن "تمكين إجراءات دفاعية ضرورية ومتناسبة لتدمير قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من مصدرها" . هذا الموقف الأوروبي جاء بعد ضربات إيرانية أصابت قواعد عسكرية حيث يتمركز جنود أوروبيون .

الخلاصة

ما تقدمه الأحداث المتسارعة في آذار/مارس 2026 هو مشهد لتحول عميق في طبيعة العلاقات الدولية. فلم تعد الحروب تخاض فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في ساحات الوثائق المسربة والفضائح المكشوفة. العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا في الحرب على إيران تظهر حدود التحالفات عندما تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية معاً. وفضيحة إبستين، بكل ما تحمله من أسماء وتفاصيل، تكشف عن هشاشة النخب التي تدير هذه التحالفات.

في النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو الذي طرحته مجلة Nature في تعليقها على الفضيحة: "كيف يمكن أن تحدث هذه الفوضى؟" . السؤال نفسه يمكن توجيهه للحرب وللتحالفات وللأخلاقيات التي تحكم النظام الدولي الجديد. الإجابة، على ما يبدو، لا تزال مدفونة في وثائق لم تُنشر بعد، أو في صواريخ لم تُطلق بعد، أو في ضمائر لم تستيقظ بعد.

مقالات الرأي

آخر الأخبار